الاقتصادي للأخبار

وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص:

عقبة الصفدي

"أول قرار استراتيجي جريء اتخذته في حياتي، كان عندما اخترت أن أرمي نفسي عن ظهر البعير وتنكسر أضلع صدري، قبل أن يدخل  في أشجار الأراك وتكون منيتي، فلولا ذلك لم يكن هناك الآن شخصٌ اسمه محمد الماضي"، بهذا الكلام يلخص المهندس ورجل الأعمال السعودي محمد الماضي، ولادة رؤيته الاستراتيجية، التي جعلته في الصفوف الأولى بقطاع البتروكيماويات.

كان الماضي يذهب من مزرعة أهله إلى مدرسة حوطة سدير التي لا يوجد فيها سوى معلّم واحد، على ظهر بعير، وكانت المدرسة تبعد حوالي 3 كيلومترات، فكان يوماً يرجع على البعير ويوماً يرجع دونه، ما جعل دراسته أمراً صعباً.

رسمت نشأة الماضي ملامح شخصيته، حيث ولد في مدينة نجران السعودية، من والدة بدوية من الربع الخالي، ما سبب ولعه بالصحراء والعيش فيها، وهناك يقول الماضي إنه عاش أياماً جميلة، صحراء قاسية بشتاء بارد وصيف حارق،  علمته الصبر والتواضع والشجاعة والوفاء وأشياء كثيرة كانت لها تأثيرات حقيقية على مسيرته الإدارية فيما بعد.

في الصف الأول الابتدائي بدأ تعلقه بالصحراء يسبب له حالة صراع بين البيئة التي يحن إليها، وبين حياة المدينة التي لم يكن يتقبلها، وكان والده يبذل جهداً لإبقائه في المدرسة، وعلى إثر ذلك لم يكمل الماضي دراسته في نجران، منتقلاً إلى الطائف حيث تابع تعليمه حتى الأول الثانوي، وبعد انتقاله إلى أبها وحصوله على الثالث الثانوي هناك، سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليكمل دراسة الهندسة الكيميائية في جامعة " كولورادو"، وحتى 1976، كان حاصلاً على الماجستير في التخصص نفسه من جامعة " وايومينغ"، وبعدها بدأت رحلة العمل.

بحث الماضي عن فرصة للعمل في عدّة جهات، أولها شركة "سابكو"، وحصل على القبول من تلك الشركة براتب 3,700 ريال، ثم انتقل منها إلى "أرامكو"، وعمل مهندساً براتب يقارب الراتب الأول ثم ذهب إلى شركة "بترومين" في الرياض، لأنها تعمل في حقل البتروكيماويات، وعرضت عليه راتباً أقل من السابق، بعدها انتقل إلى مركز الأبحاث والتنمية الصناعية.

في 1987 عمل مديراً عاماً للمشاريع بـ"سابك"، وشهدت هذه الفترة نهضة كبيرة في نموّ الشركة، وبدأت تكبر تدريجياً، واستمر الأمر كذلك حتى عام 1987، عندما صدر قرار بتعينه نائباً للرئيس وعضواً منتدباً في الشركة نفسها، وخلال تلك الفترة بدأ يطبق رؤيته الاستراتيجية، حيث اجتمع مع زملائه ووضع خطة استراتيجية بعيدة المدى لـ "سابك"، كي تكون من بين إحدى الشركات الخمس الأولى عالمياً، ولتحقيق ذلك عمل الماضي على أن يكون لدى الشركة هيكل إداري متطوّر، وحول الشركة إلى وحدات استراتيجية، وبعدها أنشئت وحدة للأبحاث والخدمات المشتركة، وهي "وحدة خدمات المشاريع".

تحققت العديد من الإنجازات في "سابك" نتيجة رؤية الماضي الاستراتيجية، حيث اعتمد على قوى بشرية مدرّبة ولديها من الخبرة ما يؤهل الشركة أن تصبح في مصافي الشركات العالمية، وأيضاً ساهم الماضي بتأسيس منظومة للقيادات الإدارية، ومركز قيادي لتطوير القيادات، ونظام مكافآت للموظفين بقصد تحفيزهم على تحقيق الأهدف، والتركيز على التدريب.

وخلال تنفيذ الخطة اتضحت صعوبة الوصول إلى مستوى الشركات الخمس الأولى عالمياً بالنمو الذي تسير به الشركة، لذلك جاء التخطيط لشراء شركات عالمية تتماثل وتنسجم مع توجّه "سابك" وفي نفس المحيط، وتمنحها نقلة في التسويق والقوى العاملة والإنتاج والمبيعات والتخطيط الاستراتيجي.

وبعد دراسة عدة شركات عالمية جاء الاختيار على أهم شركة يومها، وهي "دي إس إل" الهولندية، وفي فترة الشراء كان قطاع البتروكيماويات في كساد ونزول، وكانت هذه الشركة هي الأفضل، لأن نجاح "سابك" في أوروبا يعتمد على وجود موقع إنتاج فيها، كما أن وجود موقع الإنتاج يساعد بربط الشركة بالداخل والخارج، بالإضافة إلى زيادة قوتها في السوق وتحسين تعاملها مع الزبائن وكذلك يكون داعماً في حالة دخول منظمة التجارة العالمية، كما عمل الماضي على دمج الشركة الهولندية مع مكاتب سابك في أوروبا.

لعبت خبرة الماضي في "سابك" دوراً كبيراً، في تعينيه رئيساً لـ"المؤسسة العامة للصناعات العسكرية"، ويعتبر هذا الأمر نقلة في مسيرة الماضي، حيث لم يتولّ رئاسة المؤسسة قبل محمد الماضي سوى ضباط عسكريين، بعد تأسيسها عام 1949، وفي عام 1951 وضع حجر الأساس لإنشاء مصنع الأسلحة، وفي 1985، صدرت الموافقة على تحويل المصانع الحربية إلى مؤسسة عامة للصناعات العسكرية تتمتع بكيان مستقل، وعبر خطط ومشاريع لإنشاء مدن صناعية عسكرية، بدأت المؤسسة بإنشاء مجمع صناعي في العام 2012 في محافظة الخرج، ما يشكل نواة لقاعدة عسكرية متخصصة في السعودية تجذب استثمارات صناعية، وتفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الصناعية العسكرية السعودية، وفي 2015 صدر أمر ملكي بتعيين الماضي رئيساً لـ"المؤسسة العامة للصناعات العسكرية"، وذلك استكمالاً للرؤية الاستراتيجية الخاصة بنجاح وتطور المؤسسة.

احتل الماضي المرتبة الثانية ضمن أقوى 50 شخصية في قطاع الصناعة التحويلية للعام 2012، وفق تصنيف مجلة "أرابيان أويل آند غاز"، ووفق مجلة "آي سي آي إس كيميكال بزنس"، صنّف الماضي ضمن أربعين لاعباً في قطاع الكيماويات لأربع سنوات متتالية (2007 ـ 2010)، وحصل على جائزة "بتروكيميكال هيرتيج " من الاتحاد الوطني لمصافي تكرير البتروكيماويات، ولقب الرئيس التنفيذي للقطاع الصناعي في إطار جائزة "الرئيس التنفيذي للشرق الأوسط" السنوية.