وجه

آخر مقالات وجه



الاقتصادي – خاص:

مجد شباط

 

في الدقيقة 86، تلقى منتخب بلاده هدفاً كاد أن يُخرجه من بطولة كأس العالم 2018، لتهتز آمال ملايين المشجعين مع اهتزاز شباك مرمى فريقهم. سكتت القلوب منتظرة أي معجزة للإنعاش في الثواني الأخيرة من عمر المباراة.

جسده سقط على أرض الملعب وبقي قلبه معلقاً في الأعلى، ورغم الألم، لم يمت الأمل بتحقيق الحلم بعد. عيناه على مرمى الخصم، انتشل جسده نحو قلبه ليصنع من ثواني الدقيقة 93 تاريخاً، بكرة هزت شباك المنافس عبر ضربة جزاء نجحت بإنعاش القلوب، هو محمد صلاح الذي لم يعتد إلا النهوض بعد كل سقوط.

صلاح لاعب المنتخب المصري وفريق "ليفربول" الإنجليزي، من مواليد مدينة بسيون في محافظة الغربية عام 1992، ترعرع في ظروف صعبة لم تمكنه من متابعة دراسته الجامعية، ليجد في كرة القدم ملاذاً يحقق فيه ذاته وطموحاته.

اكتشف الكابتن ريعو البارع موهبته وهو ابن 14 عاماً حين كان "الفرعون الصغير" هاوياً في صفوف "نادي عثماسون" التابع لـ"شركة المقاولون العرب" بطنطا، لينتقل إلى فريق الناشئين في "نادي المقاولون العرب" حتى أصبح هداف الفريق لموسمين متتاليين، قبل أن ينتقل إلى فريق الشباب في النادي ذاته، لكن موهبته لم تنتظر كثيراً قبل الصعود للفريق الأول بالنادي إضافة إلى انضمامه إلى "منتخب مصر الأولومبي".

بدأ صلاح مسيرته الاحترافية في القارة العجوز عقب انتقاله لصفوف نادي "بازل" السويسري عام 2012 بصفقة بلغت قيمتها مليوني دولار أميركي، ليصبح بفعل الموهبة والإصرار، أفضل لاعب في الدوري السويسري لعام 2013.

لفت تميز صلاح أنظار العديد من الأندية الأوروبية، ليختار من بينها نادي "تشيلسي" الإنجليزي عام 2014 بصفقة لم يتم الإعلان عن قيمتها، قدّرتها الصحف الإنجليزية بحوالي 11 مليون جنيه إسترليني، إلا أن "الفرعون الصغير" لم يكن موفقاً بمحطته الجديدة، فانتقل ليلعب في صفوف نادي "فيورنتينا"، وسجل معه تسعة أهداف، ما جذب اهتمام نادٍ آخر داخل أسوار الإمبراطورية الرومانية وهو نادي العاصمة "روما"، فانتقل إليه عام 2015، وحقق معه أحد أفضل محطاته بـ34 هدفاً خلال موسم 2015- 2016 حيث أطلق عليه لقب "فخر العرب"، قبل انتقاله إلى محطته الحالية نادي "ليفربول" الإنجليزي بقيمة تبلغ حوالي 37 مليون جنيه إسترليني.

وتحت قيادة المدرب الألماني يورجن كلوب، استطاع صلاح تفجير موهبته وأصبح حديث وسائل الإعلام الإنجليزية والعالمية، بتحقيقه أرقاماً ممتازة مع "نادي الريدز"، وهو إلى الآن هداف الدوري الإنجليزي برصيد 31 هدفاً، متقدماً بذلك على لاعبين كبار.

على الصعيد الأوروبي، استطاع قيادة فريقه للوصول إلى نصف نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا بتسجيله 9 أهداف في المسابقة الأوروبية، ليصبح مجموع أهدافه لهذا الموسم 40 هدفاً، منافساً بذلك الأساطير الحيّة لكرة القدم الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو على "جائزة الحذاء الذهبي" للموسم الكروي الحالي.

"نحن نعيش زمن محمد صلاح"، هذا ما وصف به المدرب يورجن كلوب، اللاعب الذي حاز على عدة جوائز، أهمها: جائزة "أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي" موسم 2017- 2018، و"أفضل لاعب أفريقي" عام 2017، و"أفضل لاعب في نادي روما" لموسم 2015- 2016، وبعد انتقاله إلى نادي "ليفربول" أصبح صلاح أغلى لاعب عربي على مر التاريخ.

ونجح صلاح بقيادة منتخب بلاده إلى "نهائيات كأس العالم" عام 2018 التي ستقام في روسيا، ووصافة بطولة "كأس أمم أفريقيا" عام 2017 بعد ثلاث سنوات من الفشل بالتأهل للبطولة، كما حصد بطولة الدوري السويسري مع نادي "بازل"، وهو على موعدٍ من تحقيق بطولة دوري أبطال أوروبا إذا ما اجتاز عقبة فريقه السابق "روما" في الدور نصف النهائي أولاً.

وبلغة الأسهم، أصبح النجم المصري علامةً تجارية تزداد قيمتها يوماً بعد يوم، فحسب "المركز الدولي للدراسات الرياضية"، كان صلاح ضمن قائمة أبرز اللاعبين الذين ارتفعت أسعارهم خلال الموسم الحالي، إذ وصلت قيمته لنحو 140 مليون و500 ألف يورو بعد أن كانت 42 مليون يورو.

سحر لمسات صلاح للكرة ومداعبته لها، متعة أهدافه، وانطلاقاته في الملاعب الأوروبية لم تكن الأسباب الوحيدة لقاعدته الجماهيرية الواسعة، فنجوميته لم تفقده الشعور بالإنسانية والوطنية كمصري يدين لأبناء بلده بحفاوة الدعم الذي حصل عليه، فبادلهم الحب بالحب، حيث دأب منذ اليوم الذي غادر فيه مصر على الاهتمام بالأعمال الخيرية وكان آخرها تبرعه بخمسة ملايين جنيه مصري لدور الأيتام والمستشفيات المصرية.

ساهم منافس الأساطير الكروية الحية، بمساعدة والده وأسرته في النهوض بالقرية التي نشأ فيها عرفاناً بجميلها وفضلها، ولم تقتصر أعماله الخيرية على قريته فحسب، بل امتدت لتشمل تبرعه لـ"صندوق تحيا مصر" والتبرع للملاجئ ودور الأيتام والمستشفيات ومراكز علاج الأورام السرطانية في مدينة طنطا، كما أن أعماله الخيرية طالت الجالية المصرية في إيطاليا خلال فترة احترافه ضمن "الدوري الإيطالي- الكالتشيو".

مع قائمة الإنجازات التي لم تنتهِ بعد لهذه الموهبة التي تبلغ من العمر 26 عاماً فقط، أصبح صلاح بطلاً قومياً بالنسبة للشعب العربي عامةً والمصري خاصةً، وظاهرةً أوروبية من حيث الأداء الجيد وعدد الأهداف، وهو إنجاز لم يسبقه إليه أي لاعب عربي آخر.


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND