موفق الشيخ علي – استشاري إدارة موارد طبيعية:
إذا اعتبرنا أننا في حالة بناء لسورية الجديدة القائمة على أسس علمية صحيحة ونسمع حديثاً بتعابير عن قبيل العدالة الانتقالية وغيرها فمن المهم أن يتضمن حديثنا أيضاً مفهوم العدالة البيئية!!
مفهوم العدالة البيئية: نشأ هذا المفهوم على خلفية الممارسات البيئية الخاطئة والخطرة التي تقوم بها الدول فيما بينها أو داخل حدودها القطرية والتي يمكن إعطاء عشرات الأمثلة عنها من مستوى اختيار مواقع مكبات النفايات في المناطق الفقيرة من الدولة إلى مستوى السماح بنقل النفايات الخطرة سواء لمعالجتها أو طمرها لدى الدول الفقيرة سواء مقابل تعويضات مالية أو مساعدات أو غيرها من حالات استغلال الحاجة المالية في الدول الأقل نمواً.
باستعراض سريع للحالة البيئية في سورية يمكن التركيز على عدة نقاط ساخنة ففي كل محافظة هناك ما يمكن أن يقض مضاجعها بيئياً وبالتالي صحياً واجتماعياً ويمكن بشكل سريع استعراض حالات محددة لعدم التفصيل للدلالة على الوضع القائم.
دمشق وريف دمشق: مدينة عدرا (نموذجاً) تقع شمال دمشق بحدود 20 كم تتجمع بها: محطة معالجة مياه الصرف الصحي لشبكة مدينة دمشق والتي تقدر طاقتها بحدود 230 متر مكعب يومياً. ومعمل إسمنت عدرا والمدينة الصناعية في عدرا ومستودعات توزيع المشتقات النفطية والمدينة السكنية العمالية.
مدينة حمص: تقع إلى الشمال من دمشق بحدود 170 كم وهي جوهرة التاج السوري وواسطة العقد من حيث موقعها الجغرافي وتضم: مصفاة حمص ومعمل الأسمدة الآزوتية ومعمل السكر والخميرة ومدينة حسياء الصناعية
طرطوس: مدينة ساحلية وفيها معمل إسمنت طرطوس ومصفاة بانياس ومصب النفط الخام والمحطة الحرارية لتوليد الكهرباء
دير الزور: محافظة سورية تقع في الشمال الشرقي من البلاد على بعد قرابة 350 كم من دمشق وتضم حقول النفط الرئيسية في البلاد ومعمل للورق.
ويمكن عند الدخول في التفاصيل وبكل محافظة ومدينة سرد عشرات المشاكل من مستوى أماكن جمع وطمر النفايات الصلبة إلى مصبات الصرف الصحي في البحر والمجاري المائية إلى مستوى قطع وحرق الغابات إلى ممارسات التنقيب عن النفط وغيرها.
المؤشرات الصحية:
على الرغم من عدم اعتماد أي آلية للربط بين الأمراض والمشاكل البيئية حسب التقارير الوطنية ولكن من المفيد الإشارة إلى النقاط التالية بناء على تقارير صادرة قبل 2010:
– إن أعلى نسبة وفيات في القطر تم تسجيلها في كل من دمشق وحلب وحماة ثم تأتي في الترتيب كل من إدلب وحمص واللاذقية. وأن أدنى نسبة وفيات في القطر تم تسجيلها في القنيطرة والرقة.
– إن أهم أسباب الوفيات في سورية كانت أمراض القلب والجهاز التنفسي والحوادث والأورام.
– إن أكثر الأمراض شيوعاً هي أمراض الجهاز الهضمي والأذيات والتسممات وأمراض الجهاز التنفسي وأمراض الجهاز الدوراني.
التكلفة التقديرية للتدهور البيئي في سورية في العام 2001
على الرغم من عدم وجود آلية ثابتة لتقدير تكاليف التدهور البيئي إلا أنه وضمن دراسة تم إعدادها بدعم من إحدى جهات التمويل الدولية في العام 2001 حيث تم تقدر الكلفة التقديرية للتدهور البيئي في سورية بنسبة 2,7- 4.3 % من الناتج الوطني الاجمالي أي ما يعادل 32 مليار ليرة سورية سنوياً (624 مليون دولار أميركي) محسوباً على النسبة 3,5% من الناتج الوطني الاجمالي للعام 2001 مرتفعة عن العام 1997 حيث تم تقدير تلك التكلفة بحدود 29 مليار ليرة.
ولكن ارتفعت هذه التكلفة إلى ما يتراوح بين 46- 54 مليار ل. س عام 2005. هذا ولا تتضمن هذه الأرقام تكلفة الوفيات المترتبة عن تدهور البيئة كتلوث الهواء والماء وغيرهما، كما لا تتضمن هذه التقديرات خسائر معينة يصعب تحديدها كمياً مثل الأضرار التي تلحق بالتنوع الحيوي، والآثار الطويلة الأجل للتلوث بالمواد السامة وغيرها. وإذا ما تم توزيع هذه الكلف على الأنظمة البيئية الحيوية المختلفة سنجد أن الأوساط الرئيسة الثلاث التربة والهواء والمياه هي المتأثر الأكثر تضرراً.
التكلفة السنوية للتدهور حسب المعيار البيئي
والخلاصة…إن قراءة سريعة للواقع ما بعد انتصار الثورة يتطلب منا تقييم الواقع البيئي الحالي لعدم الذهاب نحو تمركز جديد أو تعزيز ما يمكن تسميته بالمناطق أو المدن "الميتة بيئياً" نتيجة ممارسات كانت قبل الحرب واستمرت بشكل أكثر عشوائية بزمن الحرب مع تفلت الوضع الأمني والإداري والتي لا يمكن رسم حدود تلك المشاكل إلا من خلال دراسات ومراقبات علمية قد تأخذ بعض الوقت قبل النظر في آليات وطرق المعالجة.
