حازم الشعار، كاتب صحفي سوري
علمتنا التجربة السورية أن السلطة الشمولية لا تكتفي بالسيطرة على الحاضر، بل تسعى لضبط الذاكرة وتأميم المشاعر، حيث ينمو الخوف ككائن موازٍ للإنسان منذ طفولته. أستنتج ذلك من ذاكرتي كطفل في حماة عام 1981، حين كان "الاسم" يمثل شحنة من الرعب في كثير من الحالات، كنتُ أترقب بائع الصحف البسيط لأحصل منه على حصتي من "السكاكر"، غافلاً عن حقيقة أن اسمه "علي حيدر" هو ذاته اسم قائد "الوحدات الخاصة" الذي حُفر اسمه في وجدان السوريين بالترهيب.
مرة رأيت موزعاً للصحف، وقلت "جاء علي حيدر". أتذكر صرخة والدي التحذيرية التي علمتني غريزة البقاء مبكراً: "هادا الاسم بتمسحو من راسك". لقد تحول "علي حيدر" موزع الصحف في لساننا إلى "أبو متعب"، في محاولة لترويض الخوف وتمييزه عن علي حيدر المرعب.
وحين دارت بي الأيام التقيت "أبو متعب" نفسه وهو يعمل موظفاً بسيطاً في جريدة "الفداء" عام 1995 والتي عملت ضمنها لاحقاً، اكتشفتُ أن خلف تلك البدلة المتواضعة أستاذاً في الفلسفة والشعر، خذله واقعٌ يُقدس "البدلة المموّهة" ويهمش أصحاب الفكر، ليكون هذا درسي الأول في فهم كيف تُسحق الهويات الإنسانية لصالح الرموز الأمنية.
هذا الانضباط القسري في المشاعر والأسماء لم يكن إلا تمهيداً لانضباط أشد قسوة في فضائي المهني لاحقاً، حيث أوثّق في كتابي الصادر حديثاً «قبل أن تجفّ الذاكرة – من كواليس الإعلام والاقتصاد والسياسة في قبضة الأسد»، أن عملي في الصحافة الاقتصادية لم يكن متابعة للأرقام، بل تمريناً يومياً على السير في حقل ألغام، تُقاس فيه سلامة مادتي بمدى قدرتها على البقاء داخل «الهامش المسموح». ويُستدل من ممارسات تلك المرحلة أن الاقتصاد لم يُنظر إليه يوماً كمسار تنموي، بل كأداة للضبط الاجتماعي، حيث كنتُ أشاهد تبدّل القناعات بتبدّل المواقع.
الخبير الذي كان يهاجم السياسات الحكومية يتحول إلى مُبرر لها بمجرد دخوله السلطة، لتصبح "السياسة" هي السقف الذي يهبط باستمرار ليضغط على كلماتي وأرقامي حتى يسحقها، ويتحول أي نقد موضوعي كنتُ أقدمه لقضايا الدعم أو الأسعار إلى "كسر لاتفاق صمت" يستوجب سؤالي : "من يقف خلفكم؟".
وتصل "هندسة الإنكار" ذروتها حين تقع الأزمات الكبرى، حيث أستنتج من مشهد "حفلة تخويني" التي شاهدتها داخل أروقة صحيفتي قبل مغادرتي سوريا في نهاية 2012، أن مفهوم "الوطنية" جرى احتكاره ليتطابق حصراً مع "الولاء المطلق". سمعتُ بأذني التهم التي تُطبخ لي أنني لمجرد أنني اخترتُ ألا أكون شريكاً في التضليل أو في سفك الدم، كان يكفي أن تنحاز لإنسانيتك حتى يتم "نتف ريشك" معنوياً ووصفك بأقذر العبارات.
إن تخوين زملائي وأصدقائي لي كان يعكس حالة من "الانسداد الأخلاقي"، حيث يُفضل النظام العيش في حالة إنكار جماعي، ويتحول من قضيت معهم نصف عمري إلى جوقة تطلق عبارات الحقد لمجرد أنني اخترتُ ألا "أزحف" مع الزاحفين وفضلتُ الانحياز للمبدأ.
إن شهادتي هذه ليست استعادة للماضي بدافع الاتهام، بل هي محاولة لاستنتاج القوانين التي قادت للانهيار، فإخضاع الإعلام والاقتصاد معاً كان شرطاً مسبقاً للانسداد الذي نعيشه اليوم. إن تجربتي مع "أبو متعب" الذي أخفى علمه خلف رتبة مستخدم، وتجربتي كصحفي أقيمت له "حفلة تخوين" لأنه رفض الزيف، هما وجهان لعملة واحدة توضح كيف أن كسر العلاقة بين الحقيقة والقرار يقود حتماً إلى الهاوية.
واليوم، تبدو إعادة الاعتبار لذاكرتي المكتوبة شرطاً ضرورياً لأي مسار مختلف، فبلد بلا ذاكرة هو بلد مُعرّض لتكرار الأخطاء نفسها، وربما لهذا السبب تبقى شهادتي المهنية فعلاً ضرورياً واستحقاقاً أخلاقياً يجب أداؤه.. قبل أن تجفّ الذاكرة.
