د. حمود المحمود
رئيس تحرير الاقتصادي
بدأت سوريا تعتاد شيئاً جديداً عليها: تغيير المسؤولين بشكل روتيني، ودون أن يتحول الأمر بالضرورة إلى دراما سياسية أو إعلامية.وهذا بحد ذاته تطور مهم.
لكن هذا التحول يبقى سيفاً ذا حدين.
فمن جهة، يعكس وجود حيوية إدارية وقدرة على التغيير حين يتطلب الواقع ذلك. ومن جهة أخرى، يثير قلقاً مفهوماً لدى الناس والمستثمرين والمتابعين، خصوصاً في بلد ما زال يحاول بناء حده الأدنى من الاستقرار المؤسسي والتشريعي والاقتصادي.
المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل في الثقافة التي ورثناها حوله.
لسنوات طويلة، ارتبط تغيير المسؤول في وعينا العام بمعنى واحد تقريباً: وجود خطأ كبير، أو صراع، أو فشل، أو إقصاء.
بينما في الدول المستقرة، ينظر إلى التغيير الإداري غالباً بوصفه جزءاً طبيعياً من دورة العمل العام: شخص ينجز مرحلة، وآخر يكملها.
ولهذا، يصبح أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو العودة إلى عقلية "البداية من الصفر".
تلك العقلية التي سخر منها عزيز نيسين في قصة مدير المدرسة الذي يصل مقتنعاً أن أول واجباته إثبات فشل من سبقه: تغيير المكاتب، والطوابق، والأولويات، وحتى طريقة ترتيب الكراسي… فقط ليقول إنه بدأ "عهداً جديداً".
هذه الذهنية تحديداً هي ما لا تحتمله سوريا اليوم.
فالبلد لا يملك رفاهية إعادة الاكتشاف في كل مرة، ولا موارد تسمح بإهدار التراكم البطيء الذي تحقق خلال المرحلة الماضية، مهما كانت الملاحظات أو الأخطاء.
الأشخاص الذين قادوا المرحلة السابقة، في الإعلام، والمصرف المركزي، وغيرهم، دخلوا في مهمات شبه مستحيلة في بلد منهك، وبإمكانات محدودة، وضغط يومي هائل.
ومن الإنصاف القول إن كثيرين منهم لم يدفعهم إلى ذلك سوى الشعور بالمسؤولية الوطنية، فقد تخلّو عن فرص ومناصب مستقرة إلى خوض غمار الإعمار في سوريا مكبلة بالعقوبات والشبهات بعد التحرير.
قد يكون بعضهم غير مناسب للمرحلة التالية. وقد يكون الخلاف على أسلوب الإدارة أو القدرة على العمل ضمن فريق. وقد يكون هناك من أنهى دوره التأسيسي ببساطة.
كل هذا طبيعي ويحدث في كل دول العالم.
لكن ما ليس طبيعياً هو افتراض السوء تلقائياً، أو تحويل كل تغيير إلى مساحة للتخوين أو اختراع القصص.
خذ مثلاً ما حدث في المصرف المركزي.
من الصعب إنكار أن المرحلة الماضية شهدت محاولات جدية لإعادة بناء الحد الأدنى من استقلالية البنك المركزي، وإدارة ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالعملة والنظام المصرفي.
فقد قاد الحاكم السابق د. عبد القادر الحصرية المركزي بكفاءة وفي مرحلة حساسة. وأسس لاستقرار العملة واستبدالها بطريقة سلسلة ومهنية. كما أعاد تقييم النظام المصرفي والبنوك. وأسس لأول مرة في تاريخ سوريا لاستقلالية حقيقية للبنك المركزي.
وكذلك فإن وزير الإعلام السابق د. حمزة المصطفى، فقد أطلق من تحت الرماد قنوات سوريا، وبنى كوادرها من الصفر. سنكون ناكرين للمعروف إذا لم نعترف بذلك.
سوريا ما زالت تتحسس خطواتها نحو البناء في عالم غير مستقر. وهذا يجعلنا أمام ضغط الاستعجال ومحاولة استعجال النتائج بتغيير الناس. لا مانع من الاختبار ولكن الواقع يقول أن سوريا بحاجة للوقت سواء شئنا أم أبينا.
المهم أن نكون في تحرك إلى الأمام. ولكنه المفيد الذي يجب أن يتعلمه البدلاء من المسؤولين الجدد، هو أن لا يتبعوا نهج التغيير في العهود السابقة، عبر البدء بتصريحات تضرب ما أنجزه من قبلهم لأن هذه هي وصفة الفشل.
علينا أن نتعلم الاحترام لمن سبقنا والبناء عليه وعدم العودة للصفر. البلد ومواردها المحدودة لا تتحمل العودة من الصفر في كل مرة. لا تعتبر أن من سبقك كان يدير الأمور بارتجال، وأنت ستكون المخطط.
لكل مرحلة في سوريا تحدياتها ومواصفاتها، لأن من أدار المؤسسات في العام الأول بعد التحرير كان يتلمس الطريق في الظلام بكل شجاعة، حتى استطاع أن ينير الطريق للمسؤول الجديد الذي سيتولى من بعده.
المؤسسات لا تبنى عبر القطيعة المستمرة، بل عبر البناء على ما تحقق، ولو كان محدوداً.
ولهذا، فإن أهم ما يحتاج أن يتعلمه المسؤولون الجدد اليوم هو ألا يبدؤوا عملهم بمحاولة هدم ما قبلهم لإثبات اختلافهم.
هذه وصفة قديمة للفشل الإداري.
الدول المستقرة لا تتقدم لأن المسؤولين فيها لا يتغيرون، بل لأن التغيير يحدث دون أن تنهار الذاكرة المؤسسية كل مرة.
ولهذا يبدو مشهد رئيس حكومة أوروبي يغادر منصبه بهدوء، ثم يعود إلى منزله على دراجته، مشهداً حضارياً عميقاً أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.
الفكرة ليست في البساطة، بل في أن الخدمة العامة هناك ليست معركة وجود، ولا نهاية مهينة، ولا مناسبة لاغتيال السمعة.
وربما هذا بالضبط ما تحتاج سوريا أن تتعلمه اليوم:
أن التغيير الإداري الطبيعي ليس علامة أزمة دائماً، بل قد يكون، أحياناً، علامة بداية نضج الدولة نفسها.
