مصارف وأسواق مالية

آخر مقالات مصارف وأسواق مالية



ما رواه نائب رئيس مجلس إدارة شركة بلقيس لصناعة السيراميك محمد أورفلي أمام الحضور في اجتماع اتحاد غرف الصناعة والتجارة الذي عقد لمناقشة تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار ورفع أسعار الفائدة، حول قصة حدثت معه عندما قرر شراء قطع أجنبي من المصرف المركزي لتمويل مستورداته هو غيض من فيض وجزء من معاناة لها بداية وليس لها نهاية، وجد الصناعيون والتجار أنفسهم فيها فجأة بفعل ندرة الدولار وامتناع المصرف المركزي عن تمويل المستوردات ومعه البنوك عن بيع القطع.

ماحذا بهم إلى البحث عن مقاصد جديدة تؤمن لهم القطع الأجنبي للحفاظ على أعمالهم وعمالهم، فكانت السوق السوداء الملاذ المنشود والمكان الأنسب لكي يؤمن التجار والصناعيون القطع الأجنبي منه لتمويل مستورداتهم والاستعاضة به عن دولارات البنك المركزي.

وقال أورفلي في مداخلته وقتذاك: "أعلن مصرف سورية المركزي أنه فتح المجال لتمويل المستوردات فذهبنا إلى المصرف للحصول على قطع أجنبي من أجل تمويل مستورداتنا، فطالب البنك بما يسمى "ملف تسليف" وهو يقتضي رهن عقار من قبل الشخص الطالب للتمويل فقرّرنا رهن عقار، ولاحقاً أبلغنا الموظف في البنك أن القصة تستغرق وقت لكي نحصل على القطع.

فاقترح الموظف علينا أن نضع وديعة قدرها 10 ملايين ليرة سورية لنحصل على دولار بسعر 57.88 ليرة سورية فقبلنا، وبعد وضع الوديعة قرّرنا الذهاب في اليوم التالي للحصول على القطع فأخبرنا الموظف أن القرار التغى".

أضاف أورفلي: "إن هذا التصرف سيوصل الدولار لـ 100 ليرة سورية، وإن هناك أزمة ثقة بين المركزي والمواطنين"..

مشيراً إلى أنه دخل بعد أن وضع الوديعة بإجراءات جديدة لسحبها. خلال الجلسة دعا الصناعي أورفلي المصرف المركزي لفتح المجال للتعامل بالدولار في السوق السوري ليتوازن سعره أمام الليرة السورية حسب قاعدة العرض والطلب. وأشار إلى أن القرارات الأخيرة المتعلقة بصرف الليرة السورية والمحافظة عليها شابها نوع من التخبط ما خلق حالة من عدم الثقة بين المصرف والمواطنين. وفي حديثه للاقتصادي أكّد أنه يؤمّن القطع حالياً من شركات الصرافة وقال: "هم يبيعوننا من خلف الكواليس والمشكلة أن هناك أزمة ثقة والناس تبدّل الليرة السورية بالدولار أو بعملات أخرى لعدم الثقة بالليرة".

تنفس الصعداء

المراحل والتقلبات التي مرّ بها قرار تمويل المستوردات بين منع وسماح جزئي أدت بحسب المحلّلين إلى جعل هذا التمويل بمثابة منع للاستيراد لكن بشكل عملي وغير مباشر، ومؤخراً صدر قرار من الحكومة سمح بتمويل 129مادة فتنفس المستوردون الصعداء، ووضعت التعليمات التنفيذية الخاصة بذلك القرار، وتلخصت في ثلاثة محاور: أولها أن يكون لدى المستورد دولارات في حسابه المعروف بحساب (التحويل)، والثاني أن يكون له رصيد عملة صعبة في بنك خارج سورية ويتم التمويل عن طريقه أو أن تموّله البنوك الخاصة بقرض بالعملة الصعبة، وهذا يعني من إيداعات مواطنين آخرين بالعملة الصعبة وهنا بقيت الدولة وآموالها خارج نطاق التمويل.

وإذا لم يكن للمستورد رصيد فإنة عادة يلجأ إلى السوق السوداء ليشتري الدولار "حوالة" ويحولها إلى حسابه في البنك المحلي. وهذه المعضلة موجودة في الاقتصاد وقرار السماح بالتمويل لم يحل المشكلة لأن الحكومة استمرت كما في السابق بعيدة عن التمويل، وأمام هذا الواقع لايجد الصناعي والتاجر إلا السوق السوداء التي تؤمن احتياجاته من القطع وهذا الاعتماد أشعل الدولار أمام الليرة والحكومة تعلم ذلك.

ولم تنته قصة تمويل المستوردات ومسلسل السماح والرفض عند 129 مادة والسماح بتمويلها، فقد أصدر رئيس مجلس الوزراء عادل سفر لاحقاً قراراً جديداً برقم 1444 ألغى فيه تمويل 62 مادة غذائية من أصل 129 مادة، وحصر قرار السماح للمصارف بتمويل المستوردات وفقاً للقرار رقم 249 بـ67 مادة طبية حصراً.

وكان القرار قبل تعديله أجاز لمصرف سورية المركزي بيع القطع الأجنبي للمصارف المرخصة، لتمويل عمليات استيراد 129 مادة غذائية وطبية، لكن التعديل الأخير منع تمويل المستوردات غير الطبية، حيث أجاز القرار للمصارف ببيع القطع الأجنبي للمستوردين وفقاً للنشرة التي تقارب سعر السوق. التفاصيل على www.aliqtisadi.com.

حجم السوق السوداء في عام 2009 بلغ حجم الاستيراد 714 مليار ليرة سورية، (وفقاً لإحصائيات البنك المركزي) ما يعادل نحو 14.9 مليار دولار، أي أن الطلب اليومي على الدولار يساوي 40.8 مليون دولار، ولذلك فإننا يمكن أن نفهم من هذا الخبر أن هناك 75 % من الحاجة للدولار، يتم تلبيته من السوق السوداء! وتدلّل الأرقام على أن السوق السوداء تحقّق إيرادات تعادل 4 ملايين ليرة سورية في اليوم، أي ما يعادل مليار وأربعمائة مليون ليرة سنوياً (10 قروش على كل دولار)، ويلاحظ أنه وفي ظل الأزمة الراهنة تبدت في الأفق آفة جديدة في سوق الصرف تمثلت بشراء الدولار حين والنوم عليه (تخزينة) ثم بيعه وهو ما يعرف بالمضاربة على الليرة.

جادة الصواب

يعتقد الخبير الاقتصادي مظهر اليوسف أنه من الصواب تحديد مواد معينة لكي يموّلها المصرف المركزي، ويجب تحديد المواد الأكثر ضرورة وأكثر استخداماً والسماح باستيرادها بغض النظر عن رسومها الجمركية، لأن هناك بعض المواد الأساسية التي لايمكن الاستغناء عنها وجمركها أكثر من 1 %، ولا نستطيع أن نستغني عنها مطالباً بعدم تقييد التمويل بالرسوم الجمركية ومقدارها. ورأى اليوسف في مقابلة مع الاقتصادي، أنه إذا طبّق قرار تمويل المستوردات التي رسومها الجمركية أقل من 1 % فيجب على الحكومة أن تعمل للمحافظة على استقرار سعر المواد، وخاصة أن معظم هذه المواد غذائية، ويجب أن يتخذوا الإجراءات التي تسحب من التجار مبرّراتهم لرفع الأسعار.

من جهة أخرى أوضح مظهر اليوسف أن قرار الحكومة السماح للمصارف ببيع القطع الأجنبي بسعر السوق قرار غير صائب ولا يوجد مبررات حقيقية لاتخاذ مثل هذه القرارات لأنهم بذلك يكونوا قد شرّعوا السوق السوداء، وكما أن العاملين في السوق السوداء عندما يرون المصارف تبيع بأسعارهم نفسها سيرفعون الأسعار، وبالتالي المصارف سترفع أسعار الصرف والنتيجة ارتفاع أسعار المواد التي يحتاجها المواطن وأصبح بذلك للتاجر سبب برفع أسعاره. أزمة سكر

يرى المراقبون والمحلّلون الاقتصاديون أن بادرة أزمة سكر تلوح في الأفق وترتسم ملامحها في الأسواق وبالتالي ارتفاع الأسعار إلى حدود غير مسبوقة بالأسواق، فقد أعلنت شركة السكر الوطنية أنها أوقفت معملها في حمص بسبب الأحداث وستعاود العمل فور تحسّن الظروف، وتنتج الشركة نحو 2500 طن يومياً يطرح جزء منه في السوق المحلية، وزاد الطين بلة رفض المصرف المركزي تخصيص المؤسسة العامة للخزن والتسويق بمبلغ 5 مليارات ليرة سورية لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها، وخاصة لجهة تأمين مادة السكر والمواد الغذائية الأخرى، ورغم أن المؤسسة حصلت على موافقة وزير الاقتصاد والتجارة ورئاسة مجلس الوزراء للحصول على التمويل اللازم، إذاً نحن أمام حالة شح مادة السكر حيث يستهلك السوريون نحو 800 ألف طن تقريباً من السكر سنوياً، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه من أجل رفع الأسعار في السوق مقابل ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية، ورفض البنك المركزي تمويل شراء مادة السكر لصالح المؤسسة العامة للخزن والتسويق، ليترك للتاجر السوري العمل وفق مقولة (دبر رأسك) والتي لا تعني أكثر من لجوئه إلى السوق السوداء وتنشيطها في وضح النهار مدفوعاً بقرار حكومي اضطره لذلك.

وقال عضو غرفة صناعة دمشق وريفها الصناعي أنطون بيتنجانة: "إن المواد الأساسية المستوردة يقوم البنك المركزي بتغطيتها، وصدر مؤخراً قراراً من وزارة الاقتصاد ينصّ على السماح بتمويل الأرز إذا كان حجم الشحنة 50 كيلو غراماً، ولا تموّل الشحنة إذا كان حجمها 25 كيلو وأعطي التجار والمستوردون مهلة 6 أشهر لتخليص البضاعة القادمة حسب النظام القديم".

وكشف بيتنجانة عن أنه يؤمّن القطع الأجنبي من المركزي ومن السوق السوداء في آن واحد، فالزبدة والحليب يؤمن القطع الخاص بها من السوق السوداء أما الرز والسكر فيؤمن القطع من المركزي.

ورأى بيتنجانة أنه يجب السماح للبنوك الخاصة بأن تبيع القطع وتتدخل في الأسعار لتحقيق التوازن، فمنذ بداية العام انخفض الدولار أمام عدد من العملات حيث انخفض أمام الروبية الهندية 20 % وأمام الليرة التركية 15 % ومن المهم أن يوازن السوق نفسة بنفسه ويستقر السعر على المركزي، وأن يتم وضع البنوك الخاصة بالواجهة لتتدخل وتبيع القطع.

وحول ارتفاع الأسعار في السوق بسبب امتناع المركزي عن التمويل قال بيتنجانة: "أسعار المواد الغذائية لم ترتفع كثيراً منذ بداية الأزمة، علماً أن سعر الحليب في السوق السوداء ارتفع بنسبة 50 % والتجار باعوا المنتجات التي في المخازن، وأعتقد أن أسعار السكر والزيت والسمنة لم ترتفع لأن هناك مخزوناً كافياً لحد الآن".

دعوة للاقتراض

بدوره الصناعي هشام عربي حلبي كشف عن أنه لجأ للسوق السوداء وللصرافة من أجل تمويل مستورداته، إلا أن هناك معوقات واجهت عمله وتخبطات ليست من مصلحة الصناعي أو المواطن وهذا الشيء أربك بيئة الأعمال كثيراً، لافتاً إلى أن ارتفاعاً كبيراً طرأ على المواد الغذائية ما أثر على المواطن السوري، وقال: "الدولار ارتفع 50 % أمام الليرة منذ بداية الأزمة، والمواد الأولية المستوردة الداخلة في الصناعات الغذائية ارتفعت 25 %، لكن هناك مواد غذائية مصنّعة بالكامل بالخارج ارتفعت أسعارها بنسبة عالية ولم يعد معاش الموظف كاف، وبدورنا يجب أن نوجد حلاً وهذا الحل ليس بيد الصناعي لكن بيد الحكومة وهي بالوضع الحالي مطلوب منها – أي من الحكومة- أن تقترض بفوائد أو دون فوائد، لتمرير الأزمة ولو حملنا ديوناً قليلة نعود بتسديدها عندما تعود الأمور لطبيعتها". وأضاف أنا كمصنّع لا يوجد لدي سيولة لكي أسيّر معملي وهنا أضطر للاقتراض لتمشية الحال.

ولكي أتفادى تسريح العمال. وأشار إلى أنّ تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين ارتفعت وهذه أعباء على المستهلك ذوي الدخل المحدود وإذا لم تنخفض الأسعار سنجد أنفسنا في وضع لانحسد عليه.

صفقة خاسرة

أشار رئيس مجلس إدارة شركة بافاريا للصناعات الغذائية (أمانا فودز) مازن ديروان إلى أنه يؤمن القطع الأجنبي من الصادرات ومن البنك المركزي كذلك وكثيراً من احتياجات المصنع تأتي من دولار التصدير. ودعا ديروان الحكومة إلى إعادة الاستقرار إلى بيئة الأعمال في سورية عبر الاستقرار بالتشريعات والابتعاد عن التخبط ما أمكن. وقال: "دولة مثل لبنان صغيرة جداً وخاضت حروباً عديدة، لكن الشيء الذي بقي ثابتاً خلال أزماتها هو القرارات الاقتصادية، فلم تتغير ما أعطى بيئة الأعمال هناك استقراراً يطلبه الكثير من المستثمرين"،

لافتاً إلى أن القرارات العشوائية تزيد الأزمة ونحن عندنا عقلية ماتزال قائمة وهي: "أن أي مشكلة تحل بقرار..حتى المطر ننزله بقرار وهذه العقيلة لم نتمكن من الخروج منها"؟ وقال للاقتصادي: "مثلنا مثل غيرنا نشتري المواد الأولية بالدولار واليورو، وقد ارتفعت الأسعار لأن المركزي في الحقيقة لا يموّل لنا إلا مادة واحدة من موادنا المستوردة الداخلة في صناعة اللحوم التي ينتجها مصنعنا (هنا) وهي البروتين وإذا سألتني عن السبب سأقول لا أعرف، أما بقية اللحوم المستوردة وكذلك الصاج المستخدم في التعليب لايمولها.

ورأى ديروان أن القرارات الأخيرة الخاصة بالصرف اعتباطية صدرت دون أن يأخذ الصناعيين وقتاً كافياً لدراسة منعكساتها، ولتلافي الخسائر فقد كنا نعمل مع الأتراك بناء على دعوة الحكومة السورية وتشجيعها لنا على التعامل معهم، وكان عندنا طلبيات ضخمة من تركيا وخاصة المواد الأولية الداخلة في الإنتاج والمعدن (التعليب) وكل هذه الطلبيات كانت جماركها صفر.

فجأة صار الجمرك 30 % ونحن متعاقدون على سعر سابق أي دون جمرك ما رتّب علينا خسائر كبيرة وبالتالي ارتفعت أسعارنا محلياً. أما نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها عصام زمريق فقال: "أؤمّن القطع الأجنبي من الصرافة ومن البنك ونلجأ إلى السوق السوداء ومثلي كثيرون، وهذا أثر على المواد الأولية وارتفعت تكاليف المستهلك وهو من سيتحمل ذلك وليس التاجر ولا الصناعي، والقرارات التي تتخذ تعكس النتائج على المستهلك".

وحول رأيه بارتفاع أسعار المواد الغذائية قال زمريق: "أسعار المواد الغذائية لم ترتفع وكمواد أولية فقد ارتفعت 40 % وهذا ينعكس على كلفة الإنتاج ونحن الآن في مرحلة نبقى أو لانبقى والمواطن هو الضحية. بالأساس أنا يمكن أن أتحمل لمدة شهر أو شهرين وأن أبيع بكلفة أقل لكن إلى متى؟ في النهاية سأتوقف، وهناك مثل يقول: (قلّة الشغل شغل) وأنا مضطر للعمل.. وفي أي ظرف".


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND