خاص – الاقتصادي:
قال خالد مصطفى، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي في شركة يلاغو، إن فكرة الشركة بدأت عام 2018. عندما رأى في المدن التي عمل بها كيف أن تطبيقات طلب المركبات غيرت حياة الناس: سعر واضح، سيارة تصل في دقائق، تتبّع مباشر، وأمان أكبر. وكان السؤال الذي لم يفارقه : لماذا لا يملك السوريون هذا الشيء البسيط؟، وأضاف مصطفى في مقابلة مع موقع الاقتصادي:
- في سوريا، كان التنقل اليومي فوضى مكلفة جداً، بالإضافة إلى أجرة غير محسوبة، وانتظار طويل على الطرقات، ووسائط مزدحمة، ومخاوف أمنية حقيقية.
- أطلقنا الشركة نهاية عام 2018، وبدأنا تشغيل التطبيق فعلياً في دمشق مطلع عام 2019، أي في أصعب توقيت ممكن: الثورة مستمرة، والعقوبات مشدّدة، ومعظم السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
- اختيار سوريا لم يكن خياراً "عاطفياً" فقط، بل كان قناعة بأن غياب الخدمة هو الفرصة نفسها، وأن من بقي في الداخل يستحق أدوات عمل حديثة لا أن يُترك خارج الاقتصاد الرقمي. وحين بدأنا، لم نكن نبيع رفاهية؛ كنّا نبيع دخلاً للسائق وحركةً مضمونة للمستخدم.
- الاختبار الحقيقي جاء في 24 كانون الأول 2021، عندما أوقفت الجهات الناظمة خدمات يلاغو. تضرر حينها عشرات آلاف السائقين وأكثر من مئة ألف مستخدم، ما أدى لموجة غضب على منصات التواصل.
- عادت الخدمة في أقل من 24 ساعة، وحصلنا في كانون الثاني 2022 على ترخيص مبدئي من وزارة النقل. تلك اللحظة أخبرتنا أننا لم نعد تطبيقاً، بل أصبحنا جزءاً من معيشة الناس.
ما أبرز التحديات التشغيلية التي واجهتموها في بناء منصة تعتمد على التكنولوجيا في بيئة تعاني من انقطاع الإنترنت والعقوبات والاقتصاد النقدي؟
- التحدي الأول كان الطاقة والاتصال ونظام تحديد المواقع (جي بي إس). جزء كبير من شبكة الكهرباء كان خارج الخدمة، والانقطاع في المدن الرئيسية قد يتجاوز 20 ساعة يومياً، بينما لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت في سوريا 35.8% من السكان.
- هذا يعني أن أي تطبيق افتراضي سيفشل. لذلك بنينا المنصة لتكون خفيفة على البيانات: تطبيق يعمل على أجهزة متواضعة، وتصميم يتحمّل ضعف الشبكة والتقطّع، ومسارات بديلة للاتصال، ودعم بشري مباشر بالهاتف عندما تفشل التقنية.
- كما فرضت علينا الجهات الرسمية لاحقاً نقل السيرفرات وقاعدة البيانات لتُستضاف محلياً داخل سوريا، وهي عملية بطيئة ومكلفة تقنياً، لكننا نفّذناها.
- التحدي الثاني كان العقوبات. سنوات من العزلة المالية منعتنا من الوصول الطبيعي إلى شبكات الدفع الدولية، وبعض خدمات الاستضافة والبنية السحابية، والشراكات التقنية العالمية. كنا نبني بمعايير عالمية بموارد محلية محدودة.
- التحدي الثالث كان الاقتصاد النقدي. معظم المعاملات في سوريا نقدية، والثقة بالدفع الإلكتروني كانت شبه معدومة. لذلك بدأنا بنموذج «الكاش أولاً»: الدفع نقداً للسفير، وإرجاع الباقي مباشرة إلى محفظة رقمية داخل التطبيق، ومراكز تحصيل محلية لدفع مستحقات السائقين بانتظام وشفافية.
- غياب البطاقات لم يمنعنا من بناء بنية قابلة للترقية، وهذا ما يتحقق الآن: قرار مصرف سوريا المركزي رقم 259/ل.إ في أيار 2026 سمح للمؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني بالتعامل مع الشبكات العالمية. نحن مستعدون لتقديم خيارات دفع إضافية عندما تنضج هذه البيئة.
- يبقى التحدي الرابع هو الأصعب: القدرة الشرائية. حين يعيش نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، يصبح التسعير مسألة حساسة يومياً. لذلك ندير معادلة دقيقة بين ما يدفعه المستخدم، وما يكسبه السائق، وما تحتاجه المنصة للحفاظ على جودة الخدمة.
بعد التغييرات الأخيرة في سوريا، كيف تغيّرت العلاقة مع الجهات الرسمية، وهل أصبح المناخ أكثر دعماً للشركات التقنية؟
- نعم، أصبح المناخ أكثر دعماً للشركات التقنية، والتحوّل نوعي وليس شكلياً.
- قبل 2024، كانت علاقتنا مع الدولة أشبه باختبار بقاء: طلبات متكررة بالحصول على قواعد بيانات العملاء والسائقين، وضغوط مباشرة.
- اليوم اختلف الإطار. صارت الجهات الرسمية شريكاً في التطوير لا خصماً:
- بعد رفع العقوبات الأميركية والأوروبية في 2025، توسّعنا إلى مدن إضافية، وزدنا التوظيف، وبدأنا نقاشات مع الجهات الرسمية حول مشروعات لدعم النقل العام بالتتبع الحيّ وحجز تذاكر الحافلات.
- لكنني أقول بصراحة: الاتجاه داعم، والتنفيذ لم يكتمل بعد. لا يوجد قانون جديد حتى الآن، والترخيص ما زال يتوزع على أكثر من جهة، وملفات التأمين والدفع الإلكتروني وبيانات المستخدمين وعمل السائقين المستقلين لم تُحسم. نحن ننظر إلى الانفتاح كفرصة لتوسيع السوق ورفع مستوى الخدمة، لا كتهديد.
كيف تقيّمون حجم سوق النقل التشاركي والتوصيل في سوريا حالياً؟ وكيف ترون مستقبل القطاع في السنوات المقبلة؟
- القطاع لم يعد نشاطاً هامشياً، لكنه لم يُقَس بعد بشكل كافٍ.
- تجاوزت يلاغو مليون تحميل لتطبيقها، وتجاوز عدد مستخدميها النشطين شهرياً 250 ألف مستخدم، وبلغ عدد السائقين المسجّلين نحو 40 ألف سائق موزّعين على ثماني محافظات: دمشق وريفها، وحلب، وحمص، وحماة، واللاذقية، وإدلب، وطرطوس، ودرعا.
- لكن عدد المستخدمين وحده لا يكفي لتقدير حجم السوق. ما زلنا نفتقر إلى بيانات دقيقة عن عدد الرحلات الشهرية، ومتوسط قيمة الرحلة، وعدد المركبات العاملة، وحجم قطاع التوصيل. بناء هذه المؤشرات هو أحد شروط جعل القطاع قابلاً للاستثمار والقياس.
- أما محرّكات النمو فهي واضحة: ديموغرافيا شابة (25.2 مليون نسمة ومتوسط عمر 23.3 سنة، وأكثر من 33% من السكان بين 18 و34 عاماً)، وفجوة رقمية قابلة للسد (نسبة انتشار الإنترنت 35.8% فقط، أي أن أكثر من ثلثي السكان ما زالوا خارج الخدمات الرقمية)، وارتفاع التجارة الإلكترونية (نمو مستخدميها بنسبة تقارب 40% خلال 2025)، وعودة شركات ومنصات إقليمية إلى السوق، وإعادة إعمار يقدرها البنك الدولي بـ216 مليار دولار، مع توقعات نمو للناتج المحلي بين 8% و10% في 2026.
- أتوقع أن تشهد السنوات المقبلة أربع تحولات: توسّعاً جغرافياً نحو المحافظات والأرياف بدل الاقتصار على المدن الرئيسية؛ ودخول شركات منافسة إقليمية وعالمية تدريجياً مع انفتاح السوق؛ وانتقالاً بطيئاً من النقد إلى الدفع الإلكتروني مع توسّع الشبكات الدولية؛ ونضوجاً تنظيمياً في ملفات التأمين والسلامة والتراخيص.
- في يلاغو، نستهدف مضاعفة عدد مستخدمينا النشطين شهرياً خلال العام المقبل، عبر تعميق حضورنا في المدن التي نعمل فيها، وتحسين توافر المركبات وزمن الوصول وجودة التجربة، ثم التوسّع المدروس في الخدمات اليومية.
أعلنتم عن التحضير لجولة استثمارية بقيمة 10 ملايين دولار. ما الأهداف الرئيسية لهذا التمويل، وكيف ستستخدمونه لتسريع النمو؟
- هذه أول جولة استثمارية مؤسسية من الفئة أ (Series A) بقيمة مستهدفة 10 ملايين دولار، وهي مدرجة في خطة الشركة خلال الفترة المقبلة. والأهم أن نكون واضحين: بنينا الشركة حتى اليوم بتمويل ذاتي وأرباح معاد استثمارها، وبوتيرة توسّع منضبطة مالياً لا تعتمد على حرق رأس المال لدعم الأسعار.
- أهداف الجولة أربعة وهي :
- مضاعفة المستخدمين النشطين في 2027، عبر تعزيز التوافر في المدن الحالية وتحسين معدلات إتمام الطلبات وزمن الوصول.
- التقنية والمنتج: تطوير التطبيق، واستقرار المنصة، والبنية التحتية للبيانات، وتجربة المستخدم والسفير معاً.
- خدمات جديدة ضمن منظومة «السوبر آب»: الدفع الإلكتروني، وتتبع الحافلات وحجز التذاكر، ومواقف السيارات، إلى جانب خدمتي الطعام والتوصيل، وفق أولويات تشغيلية واضحة لا قائمة وعود.
- الفريق وتأهيل السائقين والسلامة، وتقوية إدارة الامتثال والجودة، أي بناء شركة قابلة للنمو والاستثمار لا مجرد تطبيق سريع النمو.
- سنبحث في هذه الجولة عن شركاء يضيفون قيمة، لا رأس مال فقط: خبرة تقنية، أو قدرة على التوسّع الإقليمي، أو بنية مالية.
- لا يوجد أي قرار معلن بطرح الشركة للاكتتاب العام أو بيع حصة منها، والتوسّع خارج سوريا يبقى مرحلة لاحقة مرتبطة بجاهزية النموذج التشغيلي والاقتصادي وقابلية تكراره.
كيف ساهمت يلاغو في خلق فرص عمل للسائقين وتحسين دخلهم، وما الدور الذي تلعبونه في دعم الاقتصاد المحلي غير الرسمي؟
- هذه ليست قصة خدمات، بل قصة دخل. عام 2020، كان التطبيق مصدر رزق لنحو 15 ألف أسرة، وكانت خدماتنا تخدم نحو نصف مليون عميل، وهذا تحديداً ما جعل القرار التنظيمي بإيقافنا في 2021 غير قابل للاستمرار.
- اليوم، يبلغ عدد السائقين المسجّلين في التطبيق نحو 40 ألف سائق. نحن نسمّيهم «سفراء» لا «سائقين» لأن العلاقة قائمة على الشراكة: السفير يحدّد ساعات عمله بنفسه، ويستفيد من تحديات ومكافآت أسبوعية تخفّض نسبة العمولة وترفع صافي أرباحه، والتحق بواحد من برامج التدريب والتأهيل التي نديرها، مع دعم فني على مدار الساعة.
- دورنا في الاقتصاد غير الرسمي يمكن اختصاره بثلاث نقاط:
- تحويل الدخل العشوائي إلى دخل منظّم: التحقق من هوية السائقين وأوراق المركبات، وتوثيق الرحلات والعمولات، وسجل مالي يمكن الاعتماد عليه.
- إعادة توزيع الدخل والخدمات على الجغرافيا: بدل أن يتركّز العمل في مركز العاصمة، وسّعنا الخدمة إلى ثماني محافظات، وعبر خدمات بين المحافظات وعمان وبيروت، وإلى الريف، وإلى مطار دمشق الدولي.
- خلق عمل غير مباشر: آلاف المطاعم والمتاجر انضمّت كشركاء عبر لوحة تحكم «التاجر»، وقطاع توصيل الدراجات، وخدمات تشغيل السيارات الصغيرة، والمكاتب الداعمة.
- لكنني أقول بصراحة أيضاً: لا يمكن لمنصة أن تعالج وحدها مشكلة بطالة يتجاوز فيها التقدير الرسمي 60% في بعض المراحل. ما نقدّمه هو أحد الحلول العملية المتاحة اليوم لدخل سريع وتشغيل مرن، مع تحمّل مسؤولية تطوير معايير السلامة والتأمين، خصوصاً بعد الحوادث الأخيرة التي نعتبرها ملفاً يجب أن يُحسم تنظيمياً، وليس فقط بشعارات.
ما أبرز الفرص التي ترونها حالياً أمام الشركات الناشئة للنمو والتوسع في سوريا، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية؟
- سوريا اليوم واحدة من أكبر «الأسواق الفارغة» في المنطقة: 25 مليون نسمة يحتاجون كل شيء تقريباً، ومعظم الخدمات إما غير موجودة أو تعمل بطرق من الاقتصاد التقليدي. هذه هي الفرصة.
- أبرز المسارات التي أراها:
- أولاً: المدفوعات الرقمية والقطاع المالي التقني. إعادة ربط سوريا بالشبكات الدولية (قرار مصرف سوريا المركزي 259 في أيار/مايو 2026، ثم القرار 1124 في آب/أغسطس 2026، وعودة «فيزا» و«ماستركارد») تفتح باباً لكل ما يُبنى فوقها: المحافظ، وبوابات الدفع، والتحصيل للتجّار، والتمويل الصغير، والمدفوعات المرتبطة بالنقل والتوصيل. البنك الدولي أيّد أيضاً برنامجاً لبناء قطاع مالي رقمي آمن.
- ثانياً: التجارة الإلكترونية واللوجستيات. نمو مستخدمي التجارة الإلكترونية بنسبة تقارب 40% خلال 2025، ودخول لاعبين إقليميين إلى السوق، يعني حاجة متزايدة إلى التوصيل السريع، واللوجستيات اللحظية وإدارة المخزون، وواجهات البيع للتجّار.
- ثالثاً: التنقل المدني والبيانات. هناك اهتمام رسمي بالأتمتة والذكاء الاصطناعي والتذاكر الإلكترونية وربط شركات النقل رقمياً، وهي مجالات لا تتطلب فقط تطبيقاً، بل قدرة على إدارة بيانات ضخمة وتشغيل ميداني.
- رابعاً: البنية التحتية الرقمية. عودة الاستثمار في الاتصالات، من بينها رخصة بقيمة 747 مليون دولار وخطة استثمارية لأحد المشغّلين الجدد، مع خطة فايف جي، تعني أن كل خدمة رقمية ستجد شبكة أفضل، وأن ثمة طلباً كبيراً على برمجيات المؤسسات والأمن السيبراني وأنظمة الفواتير.
- خامساً: الخدمات المرتبطة بإعادة الإعمار والصحة والتعليم والزراعة، أي القطاعات التي سيحتاجها بلد يعيد بناء نفسه.
- لكن الفرص ليست بلا شروط، وعلى من يريد الدخول أن يعرف قيود اللعبة: نقص التمويل الجسري، حيث تشير الدراسات إلى أن نحو 68% من الشركات الناشئة السورية تعتمد على تمويل ذاتي، وأن الجولات الصغيرة تتراوح غالباً بين 5 و100 ألف دولار، مع حضور شبه معدوم لرأس المال الجسري المنظّم حتى الآن.
- أضف إلى ذلك تقلّبات الكهرباء والإنترنت، وغموض الإطار التنظيمي في بعض القطاعات، ومخاطر أمنية ما زالت قائمة، وضغط القدرة الشرائية.
- هذا ما يجعل المنهج الرابح اليوم ليس نسخ نموذج عالمي، بل بناء حل يتصالح مع الواقع: كاش أولاً مع تصميم قابل للترقية إلى المدفوعات الرقمية، وتطبيق خفيف يعمل على شبكة ضعيفة، وتسعير يدرك أنه يخاطب مستخدماً حساساً للكلفة، وانضباط مالي من اليوم الأول لا وعود بنمو مؤجل.
- الدليل على الجدوى موجود: مؤتمر SYNC في دمشق جمع أكثر من ثلاثة آلاف مشارك من خمسة عشر بلداً، وهناك اهتمام خليجي وسعودي واضح، وعودة متسارعة للكفاءات السورية من المهجر. من يبدأ اليوم لا يدخل في سوق مستقبلية، بل في سوق قائمة تنتظر من ينظّمها.
