الدكتور حمود المحمود: رئيس المحتوى في شركة مجرة
يتساءل كثيرون: لماذا لا تزال التحويلات البنكية من وإلى سوريا لا تتم بالسهولة المطلوبة، رغم إعلان عودة الربط مع نظام سويفت وتجميد معظم العقوبات الدولية؟ وهل الأمر مجرد وعود أم أن هناك تطورات حقيقية على الأرض؟
الواقع أن ما تحقق في الشهور الماضية ليس مجرد إشارات سياسية، بل أعاد فعلياً الأرضية القانونية والمالية لعودة سوريا إلى النظام المالي العالمي. فالبنية التقنية اكتملت، ورموز SWIFT/BIC فعّلت للبنوك السورية، والتحويلات الأولى قد تم تنفيذها فعلاً مع مصارف في الخارج.
خلال الأشهر الماضية، تم إلغاء أو تجميد معظم العقوبات التي كانت تعيق التحويلات المالية إلى سوريا، وخصوصاً تلك المتعلقة بالقطاع المصرفي. وقد تسارعت هذه الخطوات بعد التغيير السياسي في ديسمبر 2024.
والمؤشر الأهم اليوم هو أنه تم التصويت في الكونغرس على إلغاء قانون قيصر والذي من المتوقع أن يتم إلغاؤه خلال فترة قريبة، مع العلم أن قانون قيصر يعتبر مجمداً حالياً وبشكل مؤقت بأمر تنفيذي من الرئيس الأميركي، مما يمهّد لإزالة ما تبقى من العوائق القانونية، ويعطي إشارات قوية للمصارف الدولية بأن بيئة التعامل مع سوريا لم تعد "محظورة".
اليوم، هناك بنوك سورية نفّذت تحويلات حقيقية عبر شبكة سويفت وبعضها أقام علاقات تراسل مع بنوك خارجية، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط. كما أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخراً رسمياً بدء إجراءات التعامل مع البنوك السورية، وفتح مصرف سوريا المركزي حساباً في البنك المركزي الإماراتي، في خطوة مفصلية لإعادة ربط سورية بالخليج مالياً.
لكن لماذا لا نشعر بذلك، ولماذا لا يتم على نطاق واسع؟
الأرضية القانونية والتشريعية باتت جاهزة للتراسل والتعامل بين البنوك السورية والعالمية، لكننا الآن في مرحلة بناء الثقة بين البنوك السورية والعالمية وبدء الاتفاقات الثنائية. والتأخير الذي قد يحصل في هذه العملية، ليس بسبب قوانين قائمة، بل بفعل ما يُعرف بـ "المبالغة في الامتثال" من بعض البنوك الخارجية التي تخشى أن تكون سابقة لأوانها.
لكن هذا السلوك قابل للتغيير سريعاً. فالبنوك التي ترى غيرها قد بدأ التعامل فعلياً، ستلتحق تدريجياً بالسوق، خاصة حين تدرك أن الإطار القانوني بات مستقراً.
وماذا عن القائمة الرمادية؟
وجود سوريا حالياً على "القائمة الرمادية" الخاصة بغسيل الأموال لمجموعة FATF لا يعيق التحويلات. بل هو تصنيف شائع في مراحل إعادة الانفتاح بعد فترات من العزلة. وقد مرّت دول عربية كبرى، بهذه المرحلة دون أن تتوقف تحويلاتها البنكية. الفرق أن التحويلات تُدار بإجراءات أكثر حذراً في البداية، ثم تستقر مع الوقت، وهناك دول عربية تتعامل مع كل دول العالم ومازالت على القائمة الرمادية مثل لبنان والجزائر.
وفي الحالة السورية، كل المؤشرات تدل على أن الإجراءات التنظيمية التي اتّخذت ستسرّع الخروج من هذه القائمة خلال أشهر.
لم تعد سوريا خارج النظام المالي العالمي كما كانت. التحويلات البنكية عادت بالفعل – وإن كانت البداية محدودة – وهي تتسارع مع كل يوم جديد.
الإطار القانوني بات موجوداً، والعقوبات التي كانت تعيق التعامل المالي رفعت أو جمدت، ومع تجميد قانون قيصر، يبدو أن ما تبقّى هو فقط وقت لبناء الثقة وتنشيط العلاقات المصرفية الخارجية.
ما تم تحقيقه في هذا المجال ليس حبراً على ورق بل هو حقيقي وستأتي ثماره بالتدريج. وسوريا اليوم في مرحلة ما بعد العزلة. والمصارف التي تبدأ الآن هي التي ستقود المرحلة المقبلة. وما علينا كسوريين سوى أن نساعد في بناء هذه الثقة.
