الاقتصادي -سوريا:
قال حازم هيكل، المؤسس والرئيس التنفيذي في شركة قيمة، إن التكنولوجيا المالية ما زالت في بداياتها في سوريا. فلا نستطيع القول إنها غير موجودة، ولكن بالتأكيد هناك مساحة كبيرة جداً للتوسع والتطوير، مضيفاً في مقابلة مع موقع الاقتصادي سوريا:
- التكنولوجيا المالية ليست فقط دفعاً إلكترونياً أو محفظة إلكترونية أو بطاقات، وإنما منظومة متكاملة (Ecosystem) تبدأ بالمؤسسات المالية والمصارف التي تمتلك البنية التحتية والعملاء والثقة، ثم تأتي شركات التكنولوجيا المالية لتبني خدمات ومنتجات مبتكرة فوق هذه البنية، بينما تلعب واجهات الربط (APIs) دوراً أساسياً في ربط المصارف بهذه الخدمات والتجارة الإلكترونية والمنصات المختلفة.
- يُضاف إلى ذلك دور البيانات والذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك العملاء، وتقييم المخاطر، ومساعدة المؤسسات المالية على اتخاذ قرارات أفضل وتقديم خدمات أكثر ملاءمة لاحتياجات المستخدم.
- يعتمد مستقبل التكنولوجيا المالية على تكامل هذه المنظومة: المصارف بما تمتلكه من ثقة وبنية تحتية، والشركات التقنية بما تمتلكه من سرعة وابتكار، والبيانات والذكاء الاصطناعي، ورواد الأعمال القادرين على ابتكار خدمات جديدة تربط بين هذه الأطراف.
- هذا التطور سيساعد أيضاً على إيصال الخدمات المالية إلى شرائح أوسع من الأفراد والشركات، وبالتالي تعزيز الشمول المالي.
- الهدف اليوم ليس التكنولوجيا المالية بحد ذاتها، فهي تتحول تدريجياً من ميزة إضافية إلى جزء طبيعي من أي خدمة مالية. والمرحلة التالية هي بناء اقتصاد رقمي متكامل، تكون فيه الخدمات المالية رقمية، مترابطة، ذكية ومدمجة بشكل طبيعي في حياة الأفراد وأعمال الشركات.
ما الرؤية الاستراتيجية وراء تأسيس شركة قيمة؟ وما القطاعات أو الخدمات التي تركز عليها الشركة حالياً؟
- جاء تأسيس شركة قيمة من إيماننا بأن هناك فرصاً كبيرة اليوم في الربط بين التكنولوجيا والمؤسسات المالية والمصارف من جهة، وبين فرص الأعمال والمستخدمين من جهة أخرى.
- الفكرة الأساسية في قيمة هي تقديم خدمات داعمة وذات قيمة مضافة تُبنى فوق البنية التحتية والمنظومة الموجودة أصلاً، والتي تشمل المؤسسات المالية، والتجار، والشركات الناشئة، والمستخدمين، ومزودي التكنولوجيا.
- من هنا جاءت تسمية «قيمة». فنحن لا نعتقد أن السوق اليوم بحاجة إلى المزيد من الحلول التقليدية بقدر حاجته إلى حلول تضيف قيمة حقيقية إلى المنتجات والبنية التحتية الموجودة، وتربط مكونات المنظومة ببعضها بطريقة أكثر فعالية.
- ينطبق المفهوم نفسه على مجال البيانات وتحليلها، حيث أصبحت البيانات اليوم عنصراً أساسياً في مساعدة الشركات على فهم أعمالها وعملائها بشكل أفضل، واتخاذ قرارات أكثر دقة، وتحويل البيانات الموجودة لديها إلى قيمة فعلية تدعم النمو وتطوير الأعمال.
كيف ترى دور الاستشارات الإدارية في دعم الشركات السورية الصغيرة والمتوسطة خلال مرحلة إعادة الإعمار أو الانفتاح الاقتصادي؟
- أعتقد أن الحاجة إلى الاستشارات الإدارية ستكون كبيرة جداً خلال المرحلة القادمة، خصوصاً في ظل الفجوة التي تراكمت خلال العقود الماضية بين ممارسات الكثير من الشركات السورية وما وصلت إليه الأسواق العالمية.
- لكننا، برأيي، لا نتحدث هنا عن الاستشارات الإدارية التقليدية، وإنما عن عملية تطوير وتحديث شاملة قد تحتاجها الكثير من الشركات، بدءاً من إعادة النظر في نماذج الأعمال (Business Models)، مروراً بالتحول الرقمي، وتطوير الكفاءات والمهارات لدى الموظفين وفرق العمل، وصولاً إلى تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة وأفضل الممارسات العالمية.
- هنا يأتي الدور الحقيقي للشركات الاستشارية: أن تساعد المؤسسات على القيام بهذه النقلة بشكل عملي ومدروس، وليس فقط من خلال تقديم توصيات نظرية.
- من المهم جداً أن تكون هناك شركات استشارية قادرة على تقديم خدمات بمعايير وجودة عالية، وتنقل إلى السوق أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا وأفضل الممارسات العالمية.
- في الواقع، لدينا اليوم ما يمكن تسميته ميزة المتأخر؛ فكوننا نبدأ عملية تحديث واسعة في هذه المرحلة يمنحنا فرصة لتجاوز العديد من المراحل التقليدية، وتبني أحدث التقنيات والممارسات مباشرة، بدلاً من إعادة المرور بكل المراحل التي مرت بها الأسواق الأخرى للوصول إلى ما هي عليه اليوم.
بناءً على خبرتكم السابقة في شركات مثل ترانستك للأنظمة وتي إم إس أرابيا، كيف تطور دور التكنولوجيا والاتصالات في دعم ريادة الأعمال السورية؟
- في السابق، كانت التكنولوجيا تُستخدم بشكل أساسي كأداة لدعم الأعمال، من خلال الأنظمة المالية، وإدارة الموارد البشرية، وأنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) وغيرها، بهدف رفع الكفاءة وتسريع العمل.
- أما اليوم، فقد أصبحت التكنولوجيا جزءاً أساسياً من العمل، وفي كثير من الحالات أصبحت هي نموذج العمل نفسه.
- هذا التحول يفتح فرصاً كبيرة أمام رواد الأعمال السوريين، خصوصاً أن السوق ما زال بحاجة إلى حلول تربط التكنولوجيا بالأعمال؛ مثل منصات الدفع والتحصيل الإلكتروني، حلول التجارة الإلكترونية، أتمتة المبيعات وخدمة العملاء، تحليل البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تساعد الشركات على اتخاذ القرار وخفض التكاليف.
- مع الانفتاح الاقتصادي وارتفاع مستوى المنافسة، ستحتاج الشركات السورية إلى أن تصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على المنافسة. وهنا تكمن فرصة حقيقية أمام رواد الأعمال: ليس فقط في تأسيس شركات تقنية، بل في استخدام التكنولوجيا لحل مشكلات حقيقية وتحويلها إلى فرص أعمال قابلة للنمو.
ما الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للشركات الناشئة في سوريا والدول العربية، وما المخاطر التي يجب الحذر منها؟
- أعتقد أن علينا النظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم كأداة أساسية لرفع الإنتاجية، وتسريع التنفيذ، وتخفيض التكاليف، وتحسين عملية اتخاذ القرار.
- استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته لن يكون ميزة تنافسية، لأن الجميع تقريباً سيستخدمه. الميزة التنافسية الحقيقية ستكون في من يعرف كيف يستخدمه بشكل أكثر فعالية وكفاءة.
- بالنسبة للشركات الناشئة تحديداً، فالفرصة أكبر من مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي داخلياً. هناك اليوم مساحة كبيرة لبناء منتجات وخدمات جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي، سواء في الخدمات المالية، والتعليم، والصحة، والتجارة، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات وغيرها. وأعتقد أن الفرصة في سوريا والمنطقة العربية كبيرة أيضاً لتطوير حلول تفهم احتياجات السوق المحلي واللغة والثقافة وطبيعة الأعمال.
- من الأمثلة المهمة تحليل البيانات. يستطيع الذكاء الاصطناعي التعامل مع ملايين السجلات بسرعة كبيرة، ليس فقط لاستخراج مؤشرات، وإنما لفهم سلوك العملاء واكتشاف الأنماط وتحويل البيانات إلى معرفة تساعد الإدارة على اتخاذ قرارات أفضل.
- لكن في المقابل هناك مخاطر يجب الانتباه إليها، أهمها دقة المعلومات، وخصوصية وأمن البيانات، والتحيز، والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بدلاً من التفكير والخبرة البشرية.
- لذلك أعتقد أن السؤال في المرحلة القادمة لن يكون: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل إلى أي مدى تستخدمه بذكاء وفعالية؟
بصفتك عضواً في مجلس إدارة بنك الأردن – سورية .. كيف يمكن للقطاع المصرفي أن يدعم الاستثمار وريادة الأعمال في المرحلة الحالية؟
- أتحدث هنا من وجهة نظري الشخصية، وأعتقد أن دور القطاع المصرفي اليوم يجب أن يتجاوز كونه ممولاً للأنشطة الاقتصادية، ليصبح شريكاً ومحركاً أساسياً للاقتصاد.
- بالتأكيد، الاستثمار وريادة الأعمال يحتاجان إلى التمويل، لكن دور البنوك اليوم أوسع بكثير. نحن نتحدث عن منتجات مصرفية أكثر مرونة، وحلول رقمية، وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وربط أفضل بين البنوك والشركات والتكنولوجيا.
- وجود قطاع مصرفي قوي وفعال يشكل عنصراً أساسياً في بناء بيئة استثمارية جاذبة. فالمستثمر يحتاج إلى منظومة مصرفية يستطيع من خلالها إدارة وتمويل استثماراته، وتحريك أمواله وأرباحه بكفاءة وشفافية.
- أرى هنا أيضاً فرصة كبيرة أمام رواد الأعمال وشركات التكنولوجيا. البنوك تمتلك بنية تحتية كبيرة، وقاعدة عملاء، وخدمات مالية، بينما يمتلك رواد الأعمال القدرة على الابتكار والسرعة في تطوير الحلول.
- من خلال الربط بين الطرفين يمكن بناء خدمات جديدة، مثل ربط التجارة الإلكترونية بالقطاع المصرفي، وتطوير حلول الدفع والخدمات المالية الرقمية وغيرها.
- لذلك، السؤال المهم بالنسبة لرواد الأعمال ليس فقط: كيف نحصل على تمويل من البنوك؟ وإنما أيضاً: كيف نستفيد من البنية التحتية المصرفية الموجودة لبناء خدمات ومنتجات جديدة تحرك الاقتصاد؟
كرائد أعمال سوري لديه خبرات دولية ما النصيحة الأهم التي تقدمها لرواد الأعمال الشباب في سوريا اليوم؟
- نصيحتي الأولى لرواد الأعمال هي العمل على الفكرة بشكل صحيح. الفكرة الناجحة يجب أن تنطلق من حاجة في السوق أو مشكلة حقيقية نريد حلها.
- هناك تقنيات وأساليب كثيرة تساعد رائد الأعمال على توليد الأفكار. يمكن مثلاً أن ننظر إلى فكرة أو نموذج عمل ناجح في سوق آخر، ونقوم بتكييفه وتطويره بما يتناسب مع احتياجات وخصوصية السوق السوري. ويمكن أن ننظر إلى منتج أو خدمة موجودة أصلاً في السوق، ونبحث عن فجوة أو مشكلة أو فرصة لتحسينها، ومن هنا نطور فكرة جديدة أو حلاً أفضل.
- النقطة الثانية، والتي أعتبرها أساسية جداً، هي البيع. الهدف من ريادة الأعمال هو بناء شركة، والشركة في النهاية يجب أن يكون لديها عملاء وإيرادات وأن تكون قادرة على الاستمرار مالياً.
- أحياناً أرى أن بعض رواد الأعمال يبدأون بفكرة، ثم يبنون نموذجاً أولياً ويصبح الهدف مباشرة هو البحث عن مستثمر. التمويل مهم وقد يكون ضرورياً، لكن الحصول على التمويل لا يجب أن يكون هدف المشروع؛ الهدف هو بناء شركة قابلة للحياة والنمو. وبعد ذلك يمكن تحديد ما تحتاجه للنمو، سواء كان تمويلاً مالياً، أو معرفة وخبرات، أو شبكة علاقات وشراكات.
- أما المهارة الثالثة التي أعتبرها من أهم مهارات رائد الأعمال، فهي أن يعرف متى يقول: لا، أو كفى. ريادة الأعمال تبدأ بدرجة عالية من المخاطرة وعدم اليقين، ومع تقدم المشروع يجب أن تقل الافتراضات وتزداد الحقائق.
- هذه الحقائق لن تكون دائماً إيجابية. أحياناً ستخبرك بأن عليك الاستمرار، وأحياناً بأن عليك تغيير الاتجاه، وأحياناً بأن الفكرة لم تعد قابلة للاستمرار وأن الوقت قد حان للتوقف.
- رائد الأعمال الناجح ليس فقط من يعرف متى يبدأ وكيف يستمر، بل أيضاً من يعرف متى يغيّر الاتجاه، ومتى يقول: كفى.
ما القطاعات التي تعتقد أنها الأكثر واعدة للاستثمار في سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة، ولماذا؟
- الحقيقة أن سوريا اليوم بحاجة إلى الكثير، ولذلك أعتقد أن الفرص موجودة تقريباً في جميع القطاعات. هناك فرص كبيرة في البنية التحتية، والتكنولوجيا والتكنولوجيا المالية بشكل خاص، والطاقة الخضراء، والزراعة، والخدمات الصحية، والتعليم، والخدمات اللوجستية.
- هناك أيضاً قطاعات وخدمات داعمة لكل هذه القطاعات، مثل المدفوعات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرمجيات والحلول الرقمية.
- لكن برأيي، السؤال الأهم اليوم ليس: ما هو أفضل قطاع للاستثمار؟ بل أين توجد المشكلة التي تستحق أن نحلها؟ عندما نبدأ من المشكلة، سنكتشف فرصاً استثمارية أكبر وأكثر استدامة بغض النظر عن القطاع.
- الاقتصادات التي تمر بمراحل تحول كبيرة يكون لديها بطبيعة الحال الكثير من المشاكل، وكل مشكلة يمكن أن تكون فرصة استثمارية. لكن النجاح في النهاية يعتمد على تحويل هذه الفرصة إلى نموذج عمل صحيح، وبناء فريق قادر على التنفيذ.
