مصارف وأسواق مالية

آخر مقالات مصارف وأسواق مالية



 

"إن مكانة الدول الحديثة اقتصادياً من مكانة نقودها، وخاصة الورقية منها فهي تحمل وجهها الحضاري وتراثها الفني، وفوق هذا وذاك وعيها لضرورة إثبات وجودها في عصر التطورات المتسارعة المذهلة. هذا الوجود الذي يراد له ألا يمس ولا ينتقص كما يراد للنقد نفسه".

 

ولهذا فإن الدول تحرص على إصدار نقدها في إخراج فني مبتكر مواكب للتطور العلمي والتكنولوجي شكلاً ومضموناً، مع مراعاة الدلالات التاريخية والجغرافية التي ترسم هويتها، على اختلاف انتماءات مواطنيها ومشاربهم.

 

هذه العبارات وردت في مقدمة كتاب الباحث عدنان جروة "موسوعة العملات الورقية السورية" الذي أهّله للفوز بجائزة الجمعية الدولية للبنكنوت كأفضل كتاب عن النقد والعملات للعام 2006. قدّم مجموعة فريدة ومتكاملة للأوراق النقدية السورية بمختلف فئاتها وتواريخ إصداراتها مرتبة حسب التسلسل الزمني أي من أوائل القرن العشرين وفترة الانتداب الفرنسي حتى عصر سورية الحديثة.

 

إن الصعوبات التي واجهت عدنان جروة في العثور على الأوراق النقدية القديمة والنادرة كانت أشبه بالمستحيلات، كذلك الخوض في ميدان النقود بحد ذاته شائك ومعقد ويحتاج إلى أبحاث مطولة في عدة مصادر على الرغم من شحها "سواء أجنبية كانت أم عربية". هذا المشروع الفردي تكرّست له ثماني سنوات من العمل الدؤوب والجهد المضني تخلّلته فترات من الصعوبات، خاصة أن عدم حفظ الأوراق النقدية في ظروف جيدة جعلها تتشوه وتتآكل بشكل كبير. وفئات أُخرى لم تكن متوفرة بسبب تبديل العملات الورقية آنذاك وسحبها أو إلغائها أو إتلافها وفق صدور قرارات بذلك، ما اضطر الباحث إلى الوقوف في وجه كل التحديات بإصراره على إكمال ما بدأه بشن حملة مراسلات واتصالات جمّة وواسعة ورحلات كثيرة إلى بلدان شتى من العالم للاطلاع على المكتبات المختصة. كما أن انتسابه إلى أهم جمعيات النقد العالمية والتقاءه بشخصيات عريقة في عالم المال وباحثين وخبراء في مجال التاريخ والتوثيق ومهتمين وهواة في جمع العملات. عدا عن ذلك كونه ابن حلب الشهباء المركز التجاري المهم عالمياً ومسقط رأس كبار التجار آنذاك، قد أوصل المؤلف إلى تحقيق مشروع لطالما حلم به ليكون رحلة توثيقية غنية لكل من يتصفحه من الأجيال القادمة.

 

 

الأوراق النقدية: النشأة والتداول

 

مرت أوراق النقد بأشكال مختلفة ونماذج عديدة تبعاً للمتغيرات التاريخية والاقتصادية والسياسية المهمة. ولهذا كان لتوثيق هذه العملات الأثر الكبير في توثيق التاريخ بكل منعطفاته، وخاصة سورية التي مرت بمراحل ومتغيرات بارزة عبر القرن الماضي.

 

إن الغاية من إصدار الدول للنقود الورقية هي تفعيل وتيسير التداول. ويكون إصدار هذه الأوراق النقدية إما بمبادرة الحكومات أو بوساطة أحد المصارف الكبيرة ضمن شروط ومعايير لكل إصدار. وهي كانطباع أولي لا تتعدّى كونها قطعة ورقية كغيرها من الأوراق التي لا تكلّف طباعتها الكثير في حين أن قيمتها المادية قوية باعتبارها وسيلة الدول لجمع الأموال دون كلفة مع القدرة على التحكم بمرونة الإنقاص والزيادة.

 

وإذا كانت العملات الورقية تحقّق لحاملها قيمتها وتضمن له حقوقه فهي تتعرض أحياناً لهبوط في قيمتها إذا كان إصدارها لا يرتكز على أسس صحيحة أو إذا تزامن مع حدوث أزمات مالية كارتفاع الأسعار وتوقف عملية الإنتاج وتهاوي التوازن الاقتصادي وازدياد المضاربات ما يؤدي إلى حدوث آثار كارثية.

 

أما عن المواصفات الظاهرية والخارجية "عدا القياس بالمليمتر طولاً وعرضاً" فكل ورقة نقدية تحمل قيمتها المدوّنة عليها ويقابلها رسم ما بلون خاص، كما تحمل هذه الورقة سنة الإصدار والجهة والمكان وتوقيع مسؤولي الإصدار، إضافة إلى العلامة المائية "الرسم المطبوع على عجينة الورق ويظهر بالشفافية" وعلامات خفية أُخرى لا يمكن للعين المجردة ملاحظتها إلا من قبل المختصين من الجهات المصدّرة. لهذا فإن فكرة تزوير أو تقليد الأوراق النقدية أشبه بالمستحيلة وتجعلنا نقدر الجهود المبذولة السابقة لتصل إلى ما هي عليه.

 

كان أول ظهور للعملات الورقية في الصين في بداية القرن الثامن قبل الميلاد أي مع ظهور صناعة الورق آنذاك. وبعد قرون عديدة بدأت الدول الأوروبية بالتعامل بهذا النمط إلى أن أصبحت الوسيلة السائدة كقيمة شرائية في التبادلات التجارية.

 

وتذكر الموسوعة البريطانية أن أقدم بنك أصدر عملة ورقية في أوروبا كان بنك استوكهولم في السويد عام 1661. بدأت بعدها فرنسا بإصدار الأوراق النقدية بشروط وأشكال مختلفة في غضون الثورة وتحديداً عام 1790 فكانت الليرة الذهبية تعادل 24 فرنكاً ثم تهاوت قيمتها فيما بعد إلى حين نشوب الحرب مع ألمانيا في عام 1870، ما اضطر الحكومة الفرنسية إلى الاقتراض من بنك فرنسا الرسمي.

 

ثم تلتها الدولة العثمانية فكان الإصدار الأول للعملة الورقية عام 1839. وبعد أن نشبت الحرب العالمية الأولى ازداد تداول الورق النقدي العثماني الذي لم يتعود شعب هذه الإمبراطورية استعماله فازدادت الإصدارات وتوالت خلال فترة الحرب إلى أن فقدت قيمتها أمام تضخم الأسعار.

 

 

مسيرة النقد في سورية

 

كانت سورية حينئذ جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وكانت وحدة التعامل النقدية تقوم على الليرة العثمانية الذهبية والفضية والمعدنية إضافة إلى الورق العثماني.

 

وفي عام 1918 احتلت قوات الحلفاء سورية ما أدى إلى حلول الجنيه المصري محل النقود الورقية العثمانية لتعامل الجيش البريطاني به.

 

وعلى أثر وضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ألغى المفوّض السامي التعامل بالجنيه المصري وأمر بالتعامل بالورق النقدي السوري اللبناني، وأصبحت الليرة السورية تعادل 20 فرنكاً فرنسياً.

 

وفي عام 1919 وكذلك عام 1920، أصدر "البنك السوري" العملة الورقية السورية اللبنانية من فئات مختلفة وبقي التداول بها حتى عام 1924 في كل من سورية ولبنان.

 

وفي عام 1924 تغير اسم "البنك السوري" ليصبح "بنك سورية ولبنان الكبير". وتمّ إصدار العملة الورقية السورية اللبنانية التي بقيت متداولة حتى عام 1939.

 

وفي عام 1939 تغير اسم "بنك سورية ولبنان الكبير" ليصبح "بنك سورية ولبنان". وتم إصدار العملة الورقية التي بقيت متداولة في سورية حتى عام 1949 حيث حصلت سورية على استقلالها النقدي عن فرنسا. على خلاف لبنان حيث بقي التداول بهذه العملة الورقية حتى عام 1964.

 

وخلال فترة الاستقلال في سورية تم إصدار عملة ورقية من الفئات الصغيرة 5 – 10 – 25 – 50 قرشاً تحمل اسم "الجمهورية السورية" بقيت في التداول حتى عام 1949.

 

في عام 1943 نالت سورية ولبنان استقلالهما السياسي وتم فصل ما هو موحد بين البلدين على مختلف الأصعدة بما فيها المصالح المالية، وحددت قيمة كل من الليرتين السورية واللبنانية بالنسبة إلى الجنيه الإسترليني بدلاً من الفرنك الفرنسي.

 

وبعد اتفاقيات عديدة بشأن تحديد معدل الليرة السورية والليرة اللبنانية بالنسبة إلى الجنيه الإسترليني جرت محادثات كثيرة ومفاوضات صعبة في وزارة المال لدى البلدين بشأن تبعية الليرة بالنسبة إلى العملات الأجنبية والذهب وتثبيت قيمة التداول في صندوق النقد الدولي. فكانت فرنسا تحاول تعويض خسارتها النقدية أيام الانتداب من حساب الليرة السورية والليرة اللبنانية، ما سبّب أزمة حقيقية للاقتصاد السوري بسبب عدم تناسب الإصدار السوري مع حاجة البلاد الاقتصادية إنما مع حاجة سلطة الانتداب.

 

 وتسارعت الأحداث وكثرت المواقف التي أثرت في تدني القيمة المادية لهذه العملات.

 

بعد استقلال سورية اقتصادياً عن فرنسا تمّ في عام 1953 بوساطة مؤسسة إصدار النقد السوري التابعة لوزارة المال السورية إصدار أوراق نقدية حتى عام 1955.

 

 

مصرف سورية المركزي

 

في عام 1953 أيضاً تقرّر إنشاء مصرف سورية المركزي الذي يحق له إصدار النقد السوري وتسمية حاكم المصرف ومديره وإحداث مجلس للنقد والتسليف بالتعاون مع مصرف بلجيكا الوطني بخبرائه ومستشاريه تحت إدارة مصرف سورية المركزي، ومراقبة المصارف وتوجيه فعالياتها لتصل إلى صورتها النهائية.

 

وفي عام 1956 تبلورت مؤسسة مصرف سورية المركزي ورُفع علم سورية فوق بناء المصرف لأول مرة. واستقلت المؤسسة بأحكامها وقراراتها كاستعمال شعار الدولة وتوقيع وزير المال وحاكم المصرف على النقد الورقي، كما مارست هذه المؤسسة صلاحياتها بتحديد شكل العملة الورقية ولونها ورسومها وقياساتها وطريقة طرحها للتداول.

 

فكان الإصدار الأول عام 1957 لفئات مختلفة، وقد كُتب على الوجه الآخر للورقة النقدية ما كتب على الوجه الأول ولكن باللغة الإنكليزية بدلاً من الفرنسية. وطرأ العديد من التعديلات فيما يتعلق بالشكل والمضمون والحجم والرسوم. إلى أن وصلت إلى يومنا هذا متألقة قوية أمام ما يشهده العالم من نكبات مالية واقتصادية لكي تروي لنا ما شهدته البلاد عبر مئات السنين من مصاعب كبيرة ومعاناة مؤلمة.

 

 

حكاية تسردها أوراقنا النقدية

 

استمد نقدنا الورقي السوري أشكاله المختلفة من واقع ومشاهد حياتنا ومن صور بلادنا وفق التسلسل الزمني لأبرز الصروح وأقدم الأوابد، مثل قلعة حلب الشامخة ومدخلها الواسع القائم على جسر وطيد من القناطر السبع، وصور لرأس شمرا ومملكة أوغاريت موطن الأبجدية الأولى في التاريخ، كذلك صورة ربة الينبوع من مملكة ماري الغابرة، ثم صورة لآثار مدينة تدمر وشارعها الطويل، ووجه ملكتها زنوبيا، كذلك هناك مرفأ راميتا الفينيقي باللاذقية، ومعبد جوبيتر في بعلبك ومعبد باخوس الشهير ذو الأعمدة الشاهقة، ونواعير حماة.

 

كما حملت نقودنا الورقية صوراً لملامح إسلامية كالجامع الأموي بفسحته الشهيرة في دمشق، وجامع خالد بن الوليد في حمص، وأشكال وزخارف لمساجد وبيوت قديمة، هناك أيضاً مقام السيدة زينب ابنة الإمام علي، وقصر الحير وقلعة الحصن.

 

كذلك رصدت هذه الأوراق إنجازات سورية الحديثة فنياً واقتصادياً واجتماعياً. فحملت صور سد الفرات وسد الرستن ومصافي البترول وصوامع الحبوب وزهرة القطن، وصورة الفلاحة التي تحمل طبق القطن، وحصاد القمح، وعامل الميكانيك، والجندي المجهول، ومبنى المصرف المركزي في دمشق، وما إلى ذلك من صور منتقاة بفن وذوق كبيرين لتسرد لنا قصة سورية الجميلة بمكنونات أرضها وفنون عمارتها وجمال منحوتاتها.

 

وصفوة القول إن "موسوعة العملات الورقية السورية" أضافت إنجازاً مهمّاً إلى العديد من الإنجازات التي تحقّقت في بلادنا وشيدت صرحاً جديداًً آخر إلى جانب سائر الصروح الناهضة والتي لا يزال يشهد جميع الدارسين والمتخصّصين في مجال النقد والمال لهذا الباحث.

 

وقد حظي رئيس الجمهورية بشار الأسد بأول نسخة من هذه الموسوعة "نسخة الشرف".

 

 


error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND