الاقتصادي – منوعات:
عنان تللو
عام 1902، وصل جوليان سليم حداد، والد كارلوس سليم حلو، إلى المكسيك من لبنان وحيداً، وكان في الرابعة عشر من العمر ولا يجيد اللغة الإسبانية بتاتاً. كان هارباً من الإمبراطورية العثمانية، والتي كانت حينها تجنّد الشباب في جيشها (الأخذ عسكر)، ما اضطر الكثير من الأمهات لإرسال أبنائهن إلى المنفى قبل أن يبلغوا الخامسة عشر من العمر.
وكان جوليان مفعماً بالحيوية والحماس والأفكار، وبعد نزوله في فيراكروز، انتقل إلى تامبيكو في تاماوليباس، حيث يقطن 4 من إخوته الأكبر سناً منذ 1898، وهم خوسيه وإلياس وكارلوس وبيدرو سليم، وكانوا متيقّنين من أنهم سينجحون معاً في الدولة التي استقبلتهم.
أما والدة كارلوس سليم، فكانت ليندا حلو، التي ولدت في بارال بتشيواوا، وهي ابنة خوسيه الحلو ووضيحة عطا، المهاجران اللبنانيان اللذان وصلا إلى المكسيك أواخر القرن التاسع عشر، واستقرا في العاصمة. أنشأ خوسيه حلو أول مطبعة نشر عربيّة في المكسيك، وأسس واحدة من أولى المجلات الموجهة للجالية اللبنانية في المكسيك.
انتقل الإخوة سليم إلى مدينة مكسيكو عام 1911، وأسس جوليان وأخوه خوسيه شركة "لا استريلا دي أورينت" (نجمة الشرق)، تكريماً لوطنهم الأم لبنان. وتم تشكيل الشراكة بـ25,800 بيزو، إذ ساهم كل منهما بـ50%. وخلال مايو (أيار) 1914، في خضم الثورة المكسيكية، اشترى جوليان، الذي كان في السادسة والعشرين من عمره حينها، حصة أخيه خوسيه بـ30 ألف بيزو.
كانت "لا استريلا دي أورينت" مخزناً هاماً للطعام المجفف في كالي دي كابوتشيناز (تعرف اليوم بفينوستيانو كارانزا).، ومع مرور الوقت، أصبح لديها بضائع تجاوزت قيمتها 100 ألف دولار أميركي في 21 يناير (كانون الثاني) 1921، أي بعد 10 أعوام فقط من تأسيسها. وفي ذلك الوقت أيضاً، كان جوليان استحوذ على 11 متجراً وعقاراً في المنطقة، وكانت أصوله من أكثر المحال التجارية نشاطاً وبروزاً وسط مدينة مكسيكو، وفي البلاد. واليوم، تتجاوز قيمة المتجر 7 ملايين دولاراً أميركياً، ويصل سعر العقار إلى قرابة 28 مليون دولاراً أميركياً.
وبحلول 1922، وصلت قيمة ثروة جوليان إلى 1,012,258 بيزو، بين عقارات وأعمال تجارية وأسهم متنوّعة. وخلال أغسطس (آب) 1926، تزوّج جوليان سليم وليندا حلو في مدينة مكسيكو، ومن ثمّ أنجبا نور وألمى وجوليان وخوسيه وكارلوس وليندا.
ولد كارلوس سليم حلو في 28 يناير (كانون الثاني) 1940 بمدينة مكسيكو، وحصل على أولى دروسه في الأعمال خلال مرحلة طفولته المبكّرة، حيث أعطى جوليان كلاً من أولاده دفتر توفير يتعلّمون من خلاله كيف يديرون مصاريفهم وإيراداتهم الشخصية. وكانوا يراجعون هذه الدفاتر مع والدهم جوليان وحللوا نفقاتهم ومشترياتهم وأنشطتهم. وباتباع هذه القاعدة، تمكّن أولاد جوليان لاحقاً من إدارة شؤونهم المالية وجمع ثرواتهم الخاصة. وقبل أن يتجاوز كارلوس الثانية عشر من العمر، افتتح أوّل حسابٍ جارٍ له، واشترى أسهماً في "بانكو ناسيونال دي مكسيكو".
وتوفّي جوليان عام 1953، تاركاً أثراً بالغاً في عائلته، إذ كانت وفاته مفاجئةً وغير متوقّعة، ومثلت صدمةً عاطفية ومفاجئة في عائلته، وكان كارلوس حينها في الثالثة عشر من العمر.
درس كارلوس الهندسة المدنية في "الجامعة الوطنية المستقلة" بالمكسيك، وعام 1965، عندما كان في الخامسة والعشرين من العمر، بدأ بوضع أساسات "غروبو كارسو" (مجموعة كارسو). وتأسست "إنموبيلياريا كارسو" مطلع 1966، قبل زواج كارلوس وسمية دوميت جميّل بـ3 أشهر، وبالتالي كان اسم "كارسو" مزيجاً من بداية اسم "كارلوس" وبداية اسم "سمية". ورُزِق كارلوس سليم حلو وسمية دوميت بستة أولاد، هم كارلوس، وماركو أنطونيو، وباتريك، وسميّة، وفانيسا، وجوانا.
عُرِف كارلوس منذ ثمانينات القرن الماضي بأنه رجل أعمال في قطاعات عقارية وصناعية وتجارية مختلفة. وكان عام 1982 حرجاً في تاريخ المكسيك بسبب أزمة الديون وتأميم النظام المصرفي، ما أدى إلى شلل في النظام المالي للبلاد. لذا، قرّر كارلوس وشركته، "غروبو كارسو"، الاستثمار بكثافة وفعالية. وبالتالي، قاموا باستثمارات وعمليات استحواذ متنوعة خلال هذه الفترة، وكانت إحداها "Cigatam"، والتي تحوّلت إلى أكثرها أهمية بسبب التدفق النقدي الذي أتاح للمجموعة سيولة كافية للاستفادة من الفرص المتاحة وزيادة استحواذها على الشركات الضخمة، مثل "Hulera el Centenario"، و"Bimex"، و"Hoteles Calinda" (المعروفة اليوم بـ"OSTAR Grupo Hotelero)، و"Reynolds Aluminio".
وخلال وقتٍ لاحق، تم شراء "Seguros de México"، وتشكيل "Grupo Financiero Inbursa" عبر دمج "Casa de Bolsa Inversora Bursátil" و"Seguros de México" و"Fianzas La Guardiana". وبحلول 1985، سيطرت "غروبو كارسو" على "Artes Gráficas Unidas"، و"Fábricas de Papel Loreto y Peña Pobre"، بالإضافة لحصّة الأغلبية في "Sanborns" و"Dennys" التابعة لها. وعام 1986، تم الاستحواذ على "Minera FRISCO" و"Empresas Nacobre"، إضافةً للشركات التابعة لها ، وشركة الإطارات "Euzaki" التي كانت حينها رائدةً في سوق الإطاارت، وحصة الأغلبية في "General Tire" للإطارات بعد بضعة أعوام.
وعام 1990، استحوذت المجموعة على "تيلمكس" في شراكة مع "SBC" و"فرانس تيليكوم"، وبدأت عهداً جديداً من تنمية المشاريع في قطاع استراتيجي عالمي. وعلى مدى 22 عاماً، وضعت "تيلمكس" منصةً تكنولوجية عالمية المستوى حسّنت عملياتها وعزّزت ثقافتها المؤسسية. وخلال تلك الفترة، استثمرت "تيلمكس" ما يعادل 27.692 مليار دولار في البنية التحتية للاتصالات بالمكسيك، وبإضافتها للعمليات في أميركا اللاتينية، تعتبر قد استثمرت أكثر من 33 مليار دولار.
غادر كارلوس معظم مجالس إدارات شركاته، ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة "Impulsora del Desarrollo y el Empleo" في أميركا اللاتينية، واختصارها "IDEAL"، ورئيس مجلس إدارة "مؤسسة تيلمكس"، ورئيس مجلس إدارة "مؤسسة كارلوس سليم حلو"، و"رئيس اللجنة التنفيذية للمجلس الاستشاري لترميم المركز التاريخي"، ورئيس مجلس إدارة "مؤسسة المركز التاريخي".
ويواصل كارلوس نشاطه في مجال الأعمال التجارية، إلا أنّه يركّز جهوده وعمله على التعليم والصحة والتوظيف في المكسيك وأميركا اللاتينية، من خلال الأسس التي يرأسها والشركات في مجال البنية التحتية. ويتابع أبناء كارلوس الثلاثة، كارلوس وماركو أنتونيو وباتريك سليم دوميت، أعماله التجارية.
حاضر كارلوس سليم في مؤسسات عامة وخاصة، مثل اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية "ECLA". وكان عضواً في مجالس إدارات شركة "ألتريا" المعروفة سابقاً بـ"شركات فيليب موريس"، و"إس بي سي للاتصالات" التي تقاعد منها عام 2004 بهدف تكريس المزيد من الوقت لمشروع "IDEAL"، مع تركيز خاص على البنية التحتية والصحة والتعليم.
كما شغل كارلوس منصب نائب رئيس "السوق المكسيكي للأوراق المالية"، ورئيس مجلس إدارة "الجمعية المكسيكية لشركات الوساطة"، وكان أول رئيس للجنة الأميركية اللاتينية في مجلس إدارة "بورصة نيويورك للأوراق المالية".
في 10 مايو (أيار) 2010، أعلن "الاتحاد الدولي للاتصالات" و"منظمة يونسكو"، إنشاء "ﻟﺠﻨﺔ اﻟﻨﻄﺎق اﻟﻌﺮﻳﺾ اﻟﻤﻌﻨﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ" العالمية في جنيف، سويسرا، ويشترك كارلوس سليم حلو في رئاستها.
اليوم، بات كارلوس سليم حلو أثرى رجل في المكسيك، وقدّرت "مجلة فوربس" ثروته مطلع مايو (أيار) 2016 بـ53.1 مليار دولار.



