أصدرت الحكومة السورية تعميماً طالبت فيه محافظة دمشق بالعمل على تغيير التسميات الأجنبية للفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية، واستعمال الكلمات العربية مع وضع الكلمات الأجنبية بحروف أصغر تحت الكلمة العربية.
أثار هذا القرار امتعاض البعض، وترحيب البعض الآخر، ومع أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، إلا أن "الاقتصاد والنقل" حاولت الوقوف على آراء أصحاب المحلات، الذين استبدلت أسماء محالهم الأجنبية بأخرى عربية، ومع الناس الذين سيعتادون من الآن فصاعداً على تداول الأسماء العربية فقط أثناء جولاتهم وتسوّقهم.
كان رئيس الجمهورية بشار الأسد، قد دعا في خطاب القسم الذي ألقاه في 17/7/2007، إلى إيلاء اللغة العربية كل الاهتمام.
ولتنفيذ خطاب القسم كان على وزارة التربية أن تقوم بتنفيذ 26 بنداً لحماية اللغة العربية، والإعلام 23 بنداً، والثقافة 18 بنداً، ووزارة التعليم العالي 16 بنداً، ومجمع اللغة العربية 14 بنداً، واتحاد الكتّاب العرب 6 بنود، والجمعية السورية للمعلوماتية 4 بنود، وعلى وزارتي الاقتصاد والسياحة أن تقوما بتطبيق التشريعات والقرارات، بخصوص إلزام المحال التجارية والمؤسسات السياحية والمحال العامة، من مطاعم وفنادق ومقاه وحانات ومقاصف وملاه ومتنزهات، باستعمال الألفاظ العربية بالتسمية.
أصحاب المحلات
بعض أصحاب المحلات غيّر (آرمة) محله تماماً، مستبدلاً الاسم الأجنبي بآخر عربي، إما أن يكون ترجمة للاسم الأجنبي السابق – وهذا في الغالب – أو أن يكون اسماً عربياً جديداً.
وهناك من لم يغيّر (آرمة) محله، محاولاً مداراتها بلصاقة كتب عليها الاسم الجديد، علّ هذا القرار يعود إلى الثلاجة التي خرج منها، بعد 47 عاماً من صدوره.
غياث صاحب محل للألبسة الرجالية، قال "كان من المفروض إعطاؤنا مهلة من 3 – 5 سنوات، حتى نحضّر أنفسنا، ونتخذ الإجراءات اللازمة لتغيير الاسم، وحتى لا نضطر إلى تغييره بشكل اعتباطي، ولو أعطينا هذه المهلة، لتفادينا الكثير من الخسائر التي منينا بها".
موفق شاهين صاحب محل العروس في الصالحية، قال "كان اسم المحل مكتوباً بالعربية والإنكليزية معاً، أزالت المحافظة الاسم الأجنبي وبقي العربي، طبعاً هذا لم يطبّق على كل المحلات، فهناك حالة من التخبّط في تطبيق قرار المحافظة، وبرأيي على المحافظة الاهتمام بأمور أهم من تغيير أسماء المحلات، كرعاية الأطفال المتسولين وتزفيت الطرقات وعدم العبث بالأرصفة على الدوام".
وتحدث صاحب محل في الشعلان: "ما إن استلمنا إنذار المحافظة حتى فوجئنا – بعد مدة وجيزة – بإغلاق المحل، وعندما ذهبنا إلى مبنى المحافظة لنستوضح الأمر لم يكن لديهم قرار محدّد، كانوا في حالة تخبّط يسمحون لفلان أن يفتح ولآخر يرفضون".
أما صاحب محل "آكوب لاما" للأحذية، فقال: "قلنا لموظفي المحافظة الذين أنيط بهم تطبيق القرار أننا نستخدم اسمنا هذا في المراسلات التجارية، وأصبح ماركة سورية نطمح لأن تكون عالمية لا أن يتم إلغاؤها، كما أن سورية معروفة بتنوّعها الثقافي، فهل من الممكن أن يصار إلى تغيير أسمائنا الشخصية أيضاً؟، لم نجد أذناً صاغية، وعندما توجهنا إلى المحافظة، عرفنا أن هناك سوء تطبيق من قبل بعض الأشخاص، وقرار رئاسة الوزراء منها براء".
الوقت المناسب
"اللغة أساس كل ثقافة"، هذا ما قالته الطبيبة فاتن السعدي ، التي باركت خطوة الحكومة، معتبرة البعد عن اللغة العربية، خطوة للبعد عن كل ما هو عربي، ومحذرة من الاستخفاف الذي يبديه البعض حيال هذا الأمر، مشيرة إلى أن "خطراً حقيقياً كاد يتهدد اللغة العربية، لولا تدخّل الدولة في الوقت المناسب، ليس في موضوع أسماء المحلات فقط، بل في كل الخطوات الأخرى المتعلقة بموضوع التعريب، كمنع استخدام اللهجة العامية في الحملات الإعلانية".
أما الطالبة ريم حوراني، أكدت أن المحل الذي يحمل اسماً أجنبياً هو محل من الدرجة الممتازة في الغالب، من حيث طريقة عرض البضاعة وجودتها، وتعامل البائع مع الزبون، وبالتأكيد من حيث السعر، إلا أنها في الوقت نفسه أشارت إلى أنها مع قرار الحكومة في تغيير أسماء المحلات "نحن في النهاية عرب، وكل شيء يجب أن يعكس عروبتنا".
وتحدث التاجر منصور الصباغ عن حيرةٍ بدأ يقع بها، نظراً لتغيّر أسماء المحلات والمطاعم والمقاهي التي كان يرتادها، "بدأت أفتش عن الأماكن المحببة إليّ، والتي كنت أقصدها مع أسرتي أو أصدقائي، حتى المحلات التي كنت أشتري منها ثيابي تهت عنها، يبدو أنه يلزمنا بعض الوقت حتى نألف الأسماء الجديدة"، وتابع: "أنا ضدّ تغيير أسماء المحلات، أو كتابة الاسم الأجنبي بحروفٍ عربية، ولاسيما الماركات العالمية، هذا يفقدها خصوصيتها، ويشوّه اسم المحل وشعاره الذي تبنّاه منذ سنين".
دون تغيير
تقول عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق ميرنا سعود عن سبب فرض كتابة الاسم الأجنبي بحروفٍ عربية بالنسبة لبعض المحلات: بحسب كتاب رئاسة مجلس الوزراء، يجب أن يكون الاسم أو الكلمات ذات معنى باللغة العربية، إلا أن هناك من قام بحماية الملكية لأسمائهم وعلاماتهم التجارية من قبل وزارة الاقتصاد قبل صدور القرار، وهؤلاء فرضنا عليهم كتابة أسماء محلاتهم بحروفٍ عربية، إلى جانب الاسم المكتوب باللغة الأجنبية، على أن تكون الحروف العربية مكتوبة بخط أكبر من الحروف الأجنبية، أي على الكتابة العربية أن تعادل أكثر من نصف مساحة الكتابة الأجنبية.
وتضيف مسعود ستبقى أسماء المحلات التي تعد فروعاً لشركات أجنبية كما هي دون تغيير أو تبديل.
وبالنسبة لبعض القوميات الأخرى في المجتمع السوري كالأرمن وغيرهم، هل سيكونون مجبرين على تعريب أسماء محالهم التجارية؟
تجيب مسعود: استثني هؤلاء بمحضر نظامي، كما استثني اسم العائلة (الكنية)، واستثنيت شركات الحواسيب التابعة للجمعية السورية للمعلوماتية.
البعض اكتفى بتغطية اللوحة دون تغييرها على أمل أن يطوي النسيان تطبيق القرار ، تؤكد عضو المكتب التنفيذي أن هذا الموضوع جاء نتيجة لكتاب من نائب الرئيس للشؤون الثقافية نجاح العطار، نص على أن تغطى اللافتة المكتوبة باللغة الأجنبية ريثما تبدّل، إلا أن البعض استمرأ هذا الموضوع وأبقى على اللافتة مغطاة، وسنتخذ الإجراءات المناسبة بحقه، لأن هذا التصرف يفرز منظراً مشوّهاً.
مصائب قومٍ
ويقول البعض إن هذا القرار جاء رزقة لصانعي (الآرمات)، على اعتبار أن اللافتة الجديدة تكلّف وسطياً من 40 – 50 ألف ل.س، أما تعديل القديمة فيكلف من 10 – 15 ألف ل.س.
ولكن كان لـ أغيد البكري، صاحب مكتب البكري للدعاية والإعلان، رأيٌ آخر "لم نستطع كمصنّعي (آرمات) الاستفادة من هذا القرار، بل على العكس، الكل يبدو متردداً في مسألة تغيير لافتة محله، إما خوفاً من قرارٍ جديد، أو لاعتقادهم أن تطبيق هذا القرار مرحلي، وسينتهي مع انتهاء فعاليات الاحتفاء بدمشق عاصمة للثقافة العربية".
في عام 1995، قام وزير الثقافة الفرنسي بحملة واسعة، للقضاء على الأمركة بين شباب فرنسا، بعد انتشار كلمتين أجنبيتين في الشارع الفرنسي، هما Weekend (عطلة نهاية الأسبوع)، وDrugstore (محل بقالة)، في الوقت الذي كانت هناك حملة فرنسية أخرى، لحث الفرنسيين على أكل خبز (باجيت) الشعبي، بعد أن بينت إحصاءات، أن نسبة أكل الباجيت تدنت بدرجة مقلقة.
وقبل سنوات، أصدر الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، قانوناً ملزماً بشأن تسمية المحلات التجارية: الأسماء الفرنسية في الأعلى، وتحتها اللغات الأجنبية.
واليوم تخوض سورية التجربة ، ولكن بلغتها الأم، بعد أن شرعت محافظة دمشق بحملة تعريب واسعة لأسماء المحلات والمطاعم والفنادق، والمدارس والجامعات الخاصة، بالإضافة إلى الحملات الإعلانية.
يأتي ذلك حسب رأي الناس، بمناسبة تسمية دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008، ويردّ المسؤولون، بأن القرار صادر منذ عام 1961 تارة، وبأن خطاب القسم أشار إلى ضرورة الاهتمام باللغة العربية تارةً أخرى.
التعريب في سورية
إبان الاحتلال التركي لبلاد الشام، وقفت سورية ضدّ محاولات التتريك، التي كانت ترمي إلى إقصاء اللغة العربية، وفرض اللغة التركية مكانها.
وعندما افتتح معهد الطب ومعهد الحقوق – نواة الجامعة السورية – عام 1919، كان شرط الحكومة آنذاك في تسمية الأساتذة، أن يحسنوا التدريس بالعربية، لأنها اللغة الرسمية للجامعة.
ولم يستطع الاستعمار الفرنسي، الذي حكم سورية مدة 25 عاماً، أن ينال من منجزات التعريب، فبقي معهدا الطب والحقوق يدرسان باللغة العربية، حتى في أشد أوقات الاستعمار حلكة.
كما تعدّ سورية صاحبة تجربة ريادية في تعريب العلوم، على اعتبار أنها أول من عرّب الكتاب الجامعي.
وفي عهد الرئيس أديب الشيشكلي، صدر مرسوم تشريعي مُنع بموجبه إطلاق الأسماء الأجنبية على المحلات العامة والخاصة، كان ذلك في عام 1952.
وفي عام 1961، صدر مرسوم تشريعي بشأن تعريب الرموز، وتسميات المؤسسات العامة التجارية.
كما صدر في عام 1970، بلاغ رئاسة مجلس الوزراء للحد من طغيان الأسماء الأجنبية على المحال العامة والخاصة.
وصدر أيضاً كتاب من رئاسة مجلس الوزراء إلى الجهات المعنية، يتضمن الموافقة على توصية اللجنة الثقافية المتخذة في جلستها المنعقدة 1980، حول تعريب أسماء المحلات القائمة في البلاد.
ونصّت المادة الثالثة من قرار وزير السياحة رقم /397/ لعام 1980، على أن تختار المكاتب والمنشآت السياحية على اختلاف درجاتها وفئاتها في التصنيف أو التأهيل أسماء عربية فقط، وتتخذ أصولاً بعد موافقة الوزارة عليها، ويحظّر عليها استخدام أسماء أجنبية، واستثنى القرار المنشآت السياحية الأجنبية ذات المستوى والتصنيف الدوليين، والخاضعة لأنظمة الوزارة والمرتبطة بها بموجب العقود المبرمة معها.
وفي 25/1/2007، أصدر الرئيس بشار الأسد، قراراً جمهورياً، يقضي بتشكيل لجنة لتمكين اللغة العربية، يرأسها وزير الثقافة السابق محمود السيد، ومهمتها إنجاز خطة عمل تستهدف تمكين اللغة العربية، والحفاظ عليها، والاهتمام بإتقانها، والارتقاء بها، على أن ترفع هذه اللجنة تقاريرها إلى نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية.
لم يصدر قرار تعريب أسماء المحلات التجارية والسياحية لمناسبة تسمية دمشق عاصمة الثقافة العربية، هذا ما يمكن أن نستنتجه – على الأقل – من وجود قرارٍ مماثلٍ اتخذ في محافظة حلب.
فهل يكون هذا القرار وغيره، عنواناً للمرحلة المقبلة.
