الاقتصادي – آراء وخبرات:
ما هو مستقبل اتفاقيات التجارة الحرة(FTAs)؟ وكيف تتوافق هذه الاتفاقيات الآن مع التوجه العالمي الجديد الرامي لمزيد من الإجراءات الحمائية وفرض التعرفات الجمركية أو الرسوم على جميع المستوردات؟
قد يبدو طبيعياً أن تقوم دولة نامية بحماية صناعاتها المحلية، ولكنه من غير الطبيعي لدولة متقدمة أن تقوم بذلك كوسيلة لرفع قدرتها التنافسية، على فرض أن ذلك كان هو الهدف.
ولكي نفهم مايجري بشكل أفضل، فإننا نوضح أن التجارة الدولية محكومة بقواعد منظمة التجارة العالمية (WTO)، ويمكن للبلدان توقيع اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف بقواعد مختلفة.
وهكذا، يمكن لصفقات التجارة الثنائية المستقلة أن تنظم قواعد مختلفة لتنظيم العلاقة بين البلدان أو الكتل الاقتصادية / التجارية. فلنأخذ حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال. ففي حال عدم التوصل إلى اتفاق منفصل بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ستُطبق بشكل تلقائي قواعد التجارة الدولية لمنظمة التجارة العالمية.
فكيف تتناسب اتفاقات التجارة الحرة مع كل ذلك؟ أولاً، يمكن لاتفاقيات التجارة الحرة أن تكون ثنائية أو متعددة الأطراف، دون أن تسمى هذه الصفقات التجارية بالضرورة "اتفاقيات التجارة الحرة". عندما يُطلق مسمى "اتفاقيات التجارة الحرة" على هذه الاتفاقيات، فإن المصطلح نفسه يمكن أن يوحي إلى الاعتقاد بأن هذا هو ضمان أن البلدان المشاركة ستقوم بتبادل السلع فيما بينها دون رسوم أو تعرفات جمركية. إلخ.
ولكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة. وعادة ما تخضع اتفاقية التجارة الحرة لما تنص عليه الاتفاقية من حيث المنتجات المدرجة فيها. ومن ثم فهي لا تضمن زيادة التجارة الحرة لجميع المنتجات في مختلف البلدان، ولكنها تسهل التجارة لمنتجات محددة فقط عن طريق إزالة القيود، والتي غالباً ما تكون: البيروقراطية، ورسوم الاستيراد والتعرفات الجمركية، إضافة إلى الضرائب على الحدود فيما لو كانت مطبقة.
من الأسهل نسبياً التفاوض على اتفاقية تجارة حرة بشكل ثنائي. ولكن هل يمكن أن يقال الشيء نفسه عن الاتفاقات متعددة الأطراف؟
فلنأخذ على سبيل المثال اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ (Trans Pacific Partnership). فهي كاتفاقية تلغي كافة الضرائب المفروضة على المنتجات، مايعني الوصول إلى أسواق البلدان الموقعة على الاتفاقية بشكل أسهل. وعلى الرغم من ذلك، فإن اتفاق الشراكة التجارية هذا يذهب أبعد من حيثُ يطالب بإجراء بعض الإصلاحات، مثل تعديلات في قوانين العمل، كخطوة أولى ولازمة قبل أن تكون الاتفاقية قابلة للتطبيق.
هذا وتذكر الاتفاقية على موقعها الإلكتروني صراحةً بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بفرض عقوبات تجارية على الدول التي لا تلتزم بشروط الاتفاق. إذن هل يمكن تصنيف هذا الاتفاق على أنه اتفاق تجارة حرة؟
تقنياً نعم، ولكن الشروط والأحكام مُلزمة. ويرى الكثيرون أن توقيع اتفاقيات مماثلة بشكل ثنائي هو أسهل من الاتفاقات متعددة الأطراف.
إلى أين يتجه العالم إذاً؟ إنه يتجه إلى زيادة التجارة الحرة بين البلدان. لم تعد المسألة إلا مسألة وقت قبل أن تدرك البلدان – أقصد تلك البلدان التي تفرض الرسوم والتعرفات – أن هذا لن يجعل صناعاتها المحلية أكثر تنافسية، ولن يساهم في انتشار أو زيادة الطلب على "صنع في بلد كذا".
حتى نحصل في أي سوق على منتجات بأقل الأسعار وجودة ثابتة فليس هناك من مفر سوى اعتماد اتفاقيات التجارة الحرة سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف. تضمن الاتفاقيات المذكورة منافسة عادلة وبالتالي تنتفي الحاجة إلى التحكم بالعملة وخفض قيمتها بهدف خفض أسعار المنتجات.
أضف إلى ذلك بأنها تعزز المنافسة من خلال تمكين البلدان ذات الكفاءة الأعلى في إنتاج سلعة معينة من الوصول إلى أسواق أخرى كان الوصول إليها مقيداً بالرسوم والتعرفات الجمركية. حيث أن هذه الأخيرة تجعل المنتجات المستوردة غير مرغوبة وذات تكلفة أعلى مقارنة بالمنتجات المحلية، والتي قد يقوم مصنعوها أيضاً برفع أسعارها نتيجة الاحتكار.
يتضح ذلك بحالة فرض التعرفات على الصلب الصيني المستورد من قبل الولايات المتحدة. فما يجب أخذه بعين الاعتبار عند فرض أي نوع من التعرفات، هو فيما إذا كانت منافعها تغلب على تكاليفها المباشرة وغير المباشرة.
الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها هي: ما هو الفرق بين التعرفة الجمركية (Tariff) والضريبة الحدودية (Border Tax)؟
تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

