عامر فخري القصار : خبير في العلاقات العامة، يتمتع بأكثر من 20 عاماً من الخبرة في مجال التواصل الاستراتيجي والمؤسساتي في الشرق الأوسط والخليج العربي.
مع اقتراب عام 2026، ونهاية الربع الأول من القرن الحالي، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي واحتمالية دخول مرحلة من الاضطراب المالي قد تشبه الأزمات السابقة. وبينما تؤكد المؤسسات المالية الدولية أن النمو سيستمر بوتيرة ضعيفة، فإن تراكم المخاطر في قطاعات العقار والديون والأسواق غير المصرفية يثير قلق المراقبين من إمكانية تحول هذه التوترات إلى أزمة عالمية.
تشير تقارير صندوق النقد الدولي (تقرير آفاق الاقتصاد العالمي – يوليو 2025)، إلى أن الاقتصاد العالمي سينمو بنسبة تقارب 3% في عامي 2025 و2026، مع استمرار انخفاض معدلات التضخم ولكن وسط حالة من عدم اليقين.
أما البنك الدولي (تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية – يونيو 2025)، فيصف التعافي المتوقع بأنه "متواضع"، بينما ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التقرير الاقتصادي نصف السنوي – يونيو 2025)، أن النمو سيظل عند حدود 2.9% مع تضخم أكثر صلابة مما كان مأمولاً.
وفي المقابل، يحذر بنك التسويات الدولية (التقرير الاقتصادي السنوي 2025) وصندوق النقد الدولي (تقرير الاستقرار المالي العالمي – أبريل 2025)، من هشاشة الأسواق المالية وتزايد المخاطر في أسواق السندات وصناديق الاستثمار غير المصرفية، وهو ما يعكس قابلية هذه القطاعات للتحول إلى بؤر أزمة في حال تراكمت الصدمات.
من بين التحديات الكبرى التي يواجهها الاقتصاد العالمي ما يُعرف بـ "جدار الاستحقاقات" في قطاع العقارات التجارية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يتعين إعادة تمويل ديون ضخمة بحلول عام 2026 في ظل أسعار فائدة مرتفعة وتراجع قيم الأصول (تقديرات ستاندرد آند بورز 2025 وتقارير فايننشال تايمز حول مخاطر العقار 2025). ولا يقتصر الأمر على العقارات، بل يشمل أيضاً الديون مرتفعة المخاطر والقروض المجمعة التي تصل استحقاقاتها إلى ذروتها في العام نفسه (تقديرات وكالة موديز للتصنيف الائتماني 2025).
كما يظل الاقتصاد الصيني مصدر قلق عالمي، مع استمرار أزمة العقارات التي يُتوقع أن تمتد حتى عام 2026 وما بعده، وهو ما يضغط على البنوك المحلية ويهدد سلاسل التوريد ويضعف ثقة المستثمرين (وكالة رويترز: تقارير العقار الصيني 2025).
على صعيد المالية العامة، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي (تقرير الراصد المالي – أبريل 2025)، إلى أن الدين السيادي العالمي يتخذ مساراً تصاعدياً خطيراً مع ارتفاع تكاليف الفائدة وتراجع قدرة الحكومات على الإنفاق.
وقد انعكس ذلك بالفعل على بعض الاقتصادات الأوروبية مثل فرنسا، التي شهدت خفضاً في تصنيفها الائتماني (وكالة فيتش للتصنيف الائتماني – سبتمبر 2025)، ما يعزز المخاوف بشأن اتساع الفجوة بين الاقتصادات القوية والضعيفة في منطقة اليورو. كما يبرز القلق من المؤسسات المالية غير المصرفية، إذ حذّر مجلس الاستقرار المالي (تقرير يوليو 2025) من مخاطر الرافعة المالية والاعتماد الكبير على خطوط ائتمان البنوك، الأمر الذي قد ينقل أي أزمة من الأسواق الثانوية إلى النظام المالي ككل.
وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن التأثير سيكون متبايناً. فمن المتوقع أن يؤدي تراجع أسعار النفط خلال عام 2026 إلى ضغوط على الموازنات الحكومية، خصوصاً مع اعتماد بعض الدول على عوائد الطاقة في تمويل خططها التنموية بحسب البنك الدولي (تقرير آفاق أسواق السلع – أكتوبر 2025). ومع ذلك، تمتلك دول الخليج أدوات قوية لامتصاص الصدمات، أبرزها الصناديق السيادية العملاقة مثل جهاز أبوظبي للاستثمار، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهيئة قطر للاستثمار، والتي توفر شبكة أمان مالية تعزز الاستقرار، ويمكنها إعادة توجيه الاستثمارات إلى قطاعات أقل تأثرًا بالدورات الاقتصادية مثل التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية والبنية التحتية المستدامة، بما يخفف من حدة الانعكاسات السلبية.
في حال حدوث أزمة مالية عالمية، ستكون هناك قطاعات أكثر عرضة للتأثر في المنطقة. قطاع الطاقة سيواجه ضغوطاً مباشرة نتيجة تراجع الطلب على النفط والغاز وانخفاض الأسعار.
وفي القطاع العقاري، والذي يشهد توسعاً كبيراً خاصة في الإمارات والسعودية، قد يتأثر بتراجع المبيعات والاستثمارات الأجنبية. وسيجد القطاع المصرفي نفسه أمام تحديات مرتبطة بزيادة كلفة التمويل الدولي واحتمال ارتفاع معدلات التخلف عن السداد. أما قطاع السياحة والضيافة، الذي يعد ركيزة أساسية في خطط التنويع الاقتصادي، فقد يتأثر بتراجع إنفاق الأسر عالمياً وانخفاض أعداد الزوار الدوليين. ولا يختلف الأمر بالنسبة لقطاع الطيران والخدمات اللوجستية، الذي قد يعاني من تقلص حركة السفر والشحن الدولي في حال دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود.
وتتعمق هذه التحديات في ضوء الصراعات الإقليمية والدولية. فالتوترات في الشرق الأوسط، سواء المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية أو باضطرابات بعض الممرات البحرية الحيوية، قد تزيد من مخاطر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتباطؤ التجارة.
كما أن استمرار الحرب في أوكرانيا، أو أي تصعيد في شرق آسيا بين الصين وتايوان أو في بحر الصين الجنوبي، يمكن أن يعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق، ويؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة والسلع. هذه الصراعات لا تؤثر فقط على سلاسل التوريد العالمية، بل قد تعيد رسم أولويات الاستثمارات الدولية وتزيد من تفضيل المستثمرين للأصول الآمنة، وهو ما يقلل تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة ومن ضمنها أسواق الخليج.
خلاصة القول، إن عام 2026 قد لا يكون بالضرورة عام انهيار مالي عالمي، لكن تراكم الضغوط في قطاعات العقارات والديون والسيولة، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية، يشير إلى أن المنطقة – رغم قوتها المالية – ليست في مأمن من التداعيات. ويبقى الخيار أمام الحكومات هو تسريع خطط التنويع الاقتصادي، وتحصين الأسواق المحلية عبر تشريعات مرنة وأنظمة مالية أكثر صلابة، إضافة إلى تكثيف استثمارات الصناديق السيادية في قطاعات استراتيجية، لضمان استدامة النمو حتى في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي.
