خاص – الاقتصادي:
قال ،محمد درويش العجلاني، المؤسس والرئيس التنفيذي في شركة المجموعة التجارية لتجارة الورق والكرتون، عضو غرفة تجارة دمشق، إن التاجر والصناعي السوري قادران على المنافسة في سوق الورق، لأن الورق مادة أولية عالمية، وأسعارها مرتبطة إلى حد كبير بالسوق العالمية، ولا تتمتع الشركات الأجنبية بأفضلية كبيرة في سعر المادة نفسها؛ فالتاجر السوري والتركي، على سبيل المثال، يشتريان من الأسواق العالمية بنفس الأسعار تقريباً، مضيفاً في مقابلة مع موقع الاقتصادي:
- المشكلة الأساسية تكمن في التكاليف الإضافية، مثل الشحن والتمويل والطاقة والرسوم والإجراءات وتأمين القطع الأجنبي. وإذا استطعنا تخفيض هذه التكاليف وتسهيل حركة التجارة، فإن الشركات السورية قادرة على المنافسة داخل السوق المحلية، بل وعلى دخول الأسواق الإقليمية أيضاً.
- نحن لا نطالب بإغلاق السوق أو بمنع المنافسة، بل نطالب ببيئة عادلة للمنافسة. فعندما تتوافر للتاجر والصناعي السوري الأدوات والظروف نفسها، ستكون لديه القدرة والخبرة والعلاقات التجارية التي تمكنه من منافسة الشركات الأجنبية.
كيف تأثر قطاع الورق والكرتون في سوريا خلال السنوات الماضية، وما أبرز التغيرات التي طرأت عليه؟
- من المهم التمييز بين واقع الورق والكرتون المستورد من جهة، وواقع الصناعة المحلية من جهة أخرى. في المرحلة الحالية، تراجعت نسبة من هذه المعوقات وأصبح هناك وضوح أكبر في بعض إجراءات الاستيراد وتكاليفه.
- التحديات الأساسية ما زالت مرتبطة بسعر الصرف، وتأمين القطع الأجنبي، وارتفاع تكاليف الشحن، وتأخر وصول البضائع، وعزوف بعض شركات الشحن عن التعامل مع الموانئ السورية، إضافة إلى الأضرار والتكاليف الناتجة عن عمليات المناقلة على الحدود.
- هنا نتحدث أساساً عن الورق والكرتون المستوردين، لأن واقع الصناعة المحلية يحتاج إلى معالجة منفصلة. يوجد في سوريا إنتاج محلي من الورق البني أو ورق الكرافت المستخدمين بشكل رئيسي في صناعة الكرتون المموج، كما توجد معامل لإنتاج الكرتون المموج وتحويله إلى علب ومواد تغليف. لكن هذا الإنتاج لا يغطي كامل حاجة السوق، ولا يوجد إنتاج محلي إطلاقاً للورق والكرتون المستخدمين في الطباعة والكتابة، أو للأصناف المخصصة لعلب الطباعة والتغليف عالية الجودة، ولذلك يبقى الاعتماد على الاستيراد.
- أما صناعة الكرتون المموج، فتواجه تحديات إضافية، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، وتكاليف الشحن، وصعوبة التمويل، وبعض المشكلات المرتبطة بالقطاع المصرفي. وتؤثر هذه العوامل مباشرة في تكلفة الإنتاج وقدرة المصانع المحلية على المنافسة.
- أستطيع القول إن السوق يشهد حالياً منافسة قوية، وهذا أمر إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يمنح المستهلك خيارات أوسع ويدفع نحو تحسين الأسعار والجودة. ولكن تأثرت كميات الورق والكرتون المستخدمة في بعض الصناعات بانخفاض النشاط الصناعي المحلي. فعلى سبيل المثال، كان أحد معامل البسكويت يحتاج سابقاً إلى نحو مليون علبة سنوياً، بينما تراجع إنتاجه حالياً إلى ما يقارب 250 أو 300 ألف علبة، نتيجة دخول منتجات مستوردة تنافس المنتج المحلي.
- لذلك، لا يمكن تقييم سوق الورق والكرتون من خلال أسعار الاستيراد والشحن فقط، بل يجب النظر أيضاً إلى حجم الإنتاج المحلي والطلب الناتج عنه. فكلما توسعت الصناعة المحلية، زاد الطلب على الورق والكرتون ومواد التغليف، والعكس صحيح.
كيف تقيّم أداء غرفة تجارة دمشق في المرحلة الجديدة، وما الذي تحتاج إليه لتكون شريكاً فعالاً في إعادة الإعمار؟
- تمتلك دمشق وغرفة تجارتها خبرات تجارية واقتصادية واسعة، سواء لدى أعضاء مجلس الإدارة أو الهيئة العامة أو التجار عموماً. وينبغي الاستفادة من هذه الخبرات عند إعداد القرارات الاقتصادية، لأن القرار يكون أكثر فاعلية عندما يستند إلى معرفة مباشرة بواقع السوق وتحدياته.
- نحن نطمح إلى غرفة تجارة أكثر انفتاحاً وفاعلية، تكون حلقة وصل حقيقية بين الحكومة وقطاع الأعمال، وتسهم في دعم النمو والاستثمار وإعادة الإعمار وبناء اقتصاد سوري أكثر قدرة على المنافسة ويجب أن تكون شريكاً حقيقياً للحكومة في رسم السياسات الاقتصادية واتخاذ القرارات التي تمس قطاع الأعمال، لا أن يقتصر دورها على تقديم الخدمات الإدارية للتجار.
- إن مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق يقوم بخطوات مهمة لإعادة تنظيم العمل الداخلي وتطوير أداء الغرفة والتحضير لدورها في المرحلة المقبلة، ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار.
ما رؤيتك لدور اللجان القطاعية داخل الغرفة، وكيف يمكن تفعيلها بشكل أفضل؟
- اللجان القطاعية من أهم أدوات غرفة التجارة، ويفترض أن تتحول من لجان شكلية إلى فرق عمل حقيقية تقدم حلولاً عملية قابلة للتنفيذ.
- دور اللجنة ليس إصدار القرارات، بل دراسة المشكلات من واقع السوق واقتراح الحلول المناسبة لمعالجتها. فأعضاء هذه اللجان يعملون في القطاعات المختلفة ويعرفون تفاصيل المشكلات التي تواجههم، والاستماع إلى خبراتهم يساعد على الوصول إلى حلول جذرية بدلاً من معالجة النتائج بصورة مؤقتة.
- كما يتم عقد اجتماعات مشتركة بين اللجان ومجلس الإدارة، ومتابعة المقترحات حتى الوصول إلى نتائج واضحة، ويتم تقييم أداء كل لجنة بصورة دورية، وإعادة تشكيلها عند الحاجة، لأن استمرار أي لجنة يجب أن يكون مرتبطاً بفاعليتها ونتائجها.
ما القطاعات التي تراها الأكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي والمحلي في المرحلة الحالية؟ ولماذا؟
- هناك حاجة إلى استثمارات في معظم القطاعات، بدءاً من الطاقة والبناء، وصولاً إلى الصناعات الغذائية والدوائية والخدمات.
- لكن الأولوية يجب أن تكون للقطاعات التي يمكن أن تعتمد على الموارد المحلية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات الغذائية. فسوريا بلد زراعي، وتمتلك مواد أولية وخبرات جيدة في هذا المجال، ويمكن لتطوير الصناعات الزراعية والغذائية أن يحقق قيمة مضافة، ويوفر فرص عمل، ويخفف الاعتماد على الاستيراد بل ويساعد بجلب القطع الأجنبي عند التصدير.
- أيضاً قطاع البناء وإعادة الإعمار من حيث قدرته على تحريك الاقتصاد، لأنه لا يقتصر على تشييد المباني، بل يرتبط بالإسمنت والحديد ومواد البناء والنقل والخدمات والصناعات المختلفة. لذلك فإن الاستثمار في إعادة الإعمار يمكن أن يحرك دورة اقتصادية واسعة ويشغل أعداداً كبيرة من اليد العاملة.
ماهي أكبر عقبة تواجه رجال الأعمال السوريين اليوم، سواء كانوا داخل سوريا أو في الخارج ويرغبون بالعودة؟
- تتمثل العقبة الأولى في ضعف القطاع المصرفي، والثانية في عدم وضوح واستقرار التشريعات والقرارات الاقتصادية.
- يحتاج المستثمر إلى معرفة الضرائب والرسوم التي سيدفعها، ومدى استقرارها، وكيفية تحويل الأرباح، وتمويل استيراد المواد الأولية أو خطوط الإنتاج، والآليات المصرفية المتاحة أمامه لذلك نحتاج إلى قوانين واضحة ومستقرة، ولا سيما قانوني الضرائب والاستثمار، لأن المستثمر لا يستطيع اتخاذ قرار طويل الأجل إذا كان معرضاً لتغييرات مفاجئة في الرسوم أو الإجراءات كذلك يمثل استقرار الطاقة والتكاليف التشغيلية عاملاً أساسياً.
- فالمستثمر يحتاج إلى بناء دراسة جدوى على تكاليف واضحة، لا على أرقام قد تتغير بصورة مفاجئة.
- تنطبق هذه التحديات على المستثمر السوري والمستثمر الخارجي معاً. وقد يكون المستثمر السوري أكثر استعداداً لتحمل بعض الصعوبات، لكن المستثمر الخارجي يبحث قبل كل شيء عن الضمانات القانونية، واستقرار التشريعات، ووضوح النظام المصرفي والمالي. وكلما تحسنت هذه البيئة، أصبح جذب الاستثمارات أكثر سهولة واستدامة.
لو طُلب منك تقديم ثلاث توصيات عاجلة للجهات المعنية لتحسين بيئة الأعمال، ماذا ستكون؟
- أولاً: تفعيل التمويل وتأمين الطاقة : يجب إعطاء المصارف دوراً فعلياً في تمويل الصناعة والتجارة، ووضع آلية واضحة وسريعة للتحويلات الخارجية وتأمين القطع الأجنبي للمستوردات والمواد الأولية. وبالتوازي، نحتاج إلى خطة واضحة لتأمين كهرباء مستقرة للمنشآت الصناعية، لأن استقرار الطاقة يعني استقرار تكلفة الإنتاج.
- ثانياً: توفير قواعد واضحة ومستقرة للمستثمر: نحتاج إلى نافذة موحدة للتراخيص، وإجراءات محددة بمدد زمنية واضحة، وتوحيد المتطلبات بين الجهات، إضافة إلى قواعد ضريبية وجمركية مستقرة للمشاريع الجديدة، حتى يتمكن المستثمر من إعداد دراسة جدوى دقيقة ومعرفة تكاليفه والتزاماته مسبقاً.
- ثالثاً: تنظيم الاستيراد وفق المواصفات: نحن لا نطالب بإغلاق باب الاستيراد، بل نطالب بتنظيمه وفق مواصفات واضحة، وتشديد الرقابة على البضائع المهربة أو غير المطابقة للمواصفات السورية والعالمية. فهذا يحمي المستهلك أولاً، ويضمن في الوقت نفسه منافسة عادلة للمنتج المحلي.
- باختصار، تحتاج بيئة الأعمال إلى تمويل متاح، وطاقة مستقرة، وإجراءات بسيطة وواضحة، وسوق منظم واستيراد ملتزم بالمواصفات. وهذه إجراءات عملية من شأنها أن تعزز ثقة المستثمر وتشجعه على البدء والتوسع.
